الشاعر عبدالرحمن العشماوي 
شـــاهد التاريــخ

اسقني من ماءِ نَهرِ الكوثرِ **** شَربَةً تغسل عني كدري 

وانطلق بي في ميادين الهدى **** بحصانِ المكرُمَاتِ العبقري 

لا تدعني واقفاً وحدي على **** مركب الحُزنِ الذي لم يَعبُرِ 

لا تدعني خائفاً من حُلُمي **** ساهراً، همِّي يُغذِّي سهري 

أرقبُ النجمَ الذي أَثكله **** في دُجَى الظلماءِ، فَقدُ القمر 

اسقني ياحارسَ النَّبع ولا **** تَبقَ مثلَ الآدِبِ المُنتَقِرِ 

فأنا أحمل قلباً خافقاً **** بوفاءٍ نادرٍ في البشَرِ 

هذه كفّي التي صافحَها **** موسمُ الخصب بكفِّ المَطَرِ 

مدَّها نحوَك حُبٌّ صادقٌ **** فَلتُصافحها بروح الزَّهَرِ 

أَسأَلُ الأَمجادَ عن تاريخنا **** فتُريني منه أَبهَى الصُّوَر 

وتُريني لوحةً مشرقةً **** نُقِشَت فيها أَجَلُّ العِبَرِ 

وتُريني صورةَ المجد التي **** برزت في البيتِ عند الحجرِ 

وتُريني المسجدَ الأقصى الذي **** ظلَّ يروي خبراً عن خَبَرِ 

صامداً في رحلة الحق التي **** حفظت هذا البناءَ الأَثَريِ 

ثابتاً كالجبل الضَّخم الذي **** واجهَ الأزَمانَ لم يندحرِ 

عالياً كالكوكب الدُّريِّ في **** سُبُحاتِ الأُفُقِ المزدهرِ 

كابتهاج الشمس في رَأدِ الضُّحَى **** في نهار الأَمَلِ المنتظَرِ 

أيُّها المسجدُ، ما زلنا نرى **** شاهدَ التاريخ فوقَ المنبرِ 

أنتَ أقصى أيُّها المسجدُ في **** داخلِ القلبِ عميقُ الأَثَرِ 

لم تزل تُلقي علينا خُطبةً **** لَفظُها الصادقُ لم ينحدرِ 

أيُّها الناسُ اسمعوني إنني **** سوف استنهضكم بالنُّذُرِ 

أبحرت بي سُفُنُ الأيام في **** لُجَّةٍ ممزوجةٍ بالَخطَر 

كان للأمواج فيها قصصٌ **** أسهبت فيها ولم تختصرِ 

كم رأت عينايَ من جيلٍ مضى **** وطوى أيَّامَه في سَفَرِ 

هكذا الدنيا، كما جرَّبتُها **** طولُ ما فيها شديدُ القِصَرِ 

أيُّها الناسُ اسمعوا، إني أرى **** نارَ حربٍ قذفت بالشَّرَرِ 

وأرى قَلبَ اليهوديِّ الذي **** لم يزل يعكس معنى سَقَرِ 

وأرى خُطَّةَ حَربِ، ربما **** سبقت كلَّ لبيبٍ حَذِرِ 

وأرى دائرةً مُحكَمَةً **** لم تزل واقفةً لم تَدُرِ 

ربما دارت بنا نَحوَ الرَّدَى **** لو رضينا بحياةِ الخَدَرِ 

أيُّها الناسُ أفيقوا، واذكروا **** صورةَ ابنِ العَلقميِّ الأَشِرِ 

واذكروا بغدادَ كيف احترقت **** حين كانت هَجَماتُ التَّتَرِ 

واذكروا دَورَةَ أيامِ الأسى **** كيف ساقَتنا إلى المنحدَرِ 

واسألوا الأندلُسَ المفقودَ عن **** طائر العزم الذي لم يَطِرِ 

أيُّها الناسُ، أنا مسجدكم **** مسجدُ المَسرَى لخير البَشَرِ 

مرَّتِ الأحداثُ بي داميةً **** فأنا في وَردِها والصَّدَرِ 

فلكم ذقتُ الأسى بعد الأسى **** من خياناتِ الصَّليبِ القَذِرِ 

يالَها من ظُلمةٍ حالكةٍ **** سوَّدَت وجه المدى في نظري 

ضاقَ بي الأَرحَبُ حتى خِلتُني **** لن أذوق الصَّفوَ بعد الكَدَرِ 

وطواني البُؤسُ حتى هزَّني **** ذلك الشَّهمُ الأَبيُّ العبقري 

أرسل النورَ إلى أروقتي **** وبغيث الحقِّ روَّى شجري 

ما صلاحُ الدين إلا فارسٌ **** شدَّ من أزري وجلَّى بصري 

قادني والليل مسكوبٌ على **** ساحتي والموجُ لم ينحسر 

غسل الشاطىءَ من أدرانه **** ورمى نحوي بأغلى الدُّرَرِ 

وأراني بسمةً مشرقةً **** وصفاءً في جبين القمرِ 

ليت أيَّامي هنا قد وقفت **** عند رُمحِ الفارسِ المنتصرِ 

ليتَها، لكنَّها أُمنيَّةٌ **** قتلتها غَدرَةٌ من غُدَرِ 

وَعدُ بِلفُورَ الذي صيَّرني **** كسبايا الفُرسِ عند الخَزَرِ 

أيُّها الناسُ أَفيقوا، وارحموا **** أمَلاً في قلبيَ المُنصَهِرِ 

ما يَهودُ الغَدر إلا أَنفسٌ **** غُمِسَت في حقدها المُستَعِرِ 

لم أزل أشربُ كأساً مُرَّةً **** من رزاياهم وأشكو ضَجَري 

سلبوني نعمةَ الأمن التي **** حفظت قدري وصانت جوهري 

زرعوا هَيكَلَهم قنبلةً **** فاحذروا من صوتها المُنفجرِ 

ما يَهودُ الغدر إلَّا عُملَةٌ **** نُقِشَت فيها حروفُ البَطَرِ 

عُملَةٌ زائفةٌ، قيمتُها **** في تضاعيف الرِّبا والمَيسِرِ 

إن مضى قِردٌ، فقردٌ قادمٌ **** وخَبَال الرَّأي للمنتظر 

ما لكم يا قوم، هل ترجون من **** قاتلِ الأطفالِ حُسنَ المَعشَرِ؟! 

آهِ من أمَّتنا ما لبثَت **** تخسر المجدَ، كأن لم تَخسَرِ 

كسَدَت سوق الدَّعاوى حَولَها **** وهي في سوق الدَّعاوى تشتري 

أزهرت كلُّ الرُّبَى من حولها **** وهي في جَدب الأسى لم تُزهِرِ 

لم تزل تستنجدُ الغَربَ، وهل **** عندَه إلاَّ جنونُ البَقَرِ 

كيف ترجو من سرابٍ كاذبٍ **** شَربَةً للظامىء، المُحتضِرِ؟؟! 

مسجدُ الاقصى أنا، أُخبركم **** أنني لا أَنثني للخطر 

منهج الإسلام عندي واضحٌ **** فبه أسمو عن المنحَدَرِ 

وبه أسلك دَربَ المجد، لا **** اشتكي من شوكه والحُفَرِ 

صاحبي منكم، هو الشَّهمُ الذي **** يجعل الغُصنَ قريبَ الثَّمَرِ 

صاحبي منكم هو الحادي الذي **** يُسمع القُدسَ نشيد الظَّفَرِ 

صاحبي، مَن لايُريني غَفلَةً **** ويُريني جَبهةَ المنكسرِ 

صاحبي مَن يحمل القرآن في **** قلبه يكسر بابَ الضَّجَرِ 

صاحبي طفلٌ أَبيٌّ لم يَزَل **** يُسمع الدنيا غناءَ الحَجَرِ  
 
 

عودة إلى صفحة قصائد الشاعر عبدالرحمن العشماوي - اضغط هنا

 عودة إلى صفحة الشاعر عبدالرحمن العشماوي  -  اضغط هنا

©1998 - 2001 Copyright AlShamsi.Net ™ , All Rights Reserved.