قال تعالى (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فضن أن لن نقدر عليه فنادى في الضلمات أن لا  إله إلا أنت سبحانك  إني كنت من الضالمين. فستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) الأنبياء 87 , 88 . قال أهل التفسير : بعث الله يونس عليه السلام  إلى أهل نينوى من ارض الموصل فدعاهم إلى الله عز وجل فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم فلما طال ذلك عليه من امرهم خرج من بين اضهرهم ووعدهم حول العذاب بهم  بعد ثلاث .قال ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم من السلف والخلف:فلما خرج من بين ظهرانيهم وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والانابة وندموا على ما كان منهم الى نبيهم فلبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ثم عجوا الى الله عز وجل وصرخوا وتعرضوا اليه وتمسكنوا لديه وبكى الجال والنساء والبنون والبنات والأمهات وجأرت الأغنام والدواب والمواشي. فرغت الإبل وفصلانها وخارت البقر واولادها وثغت الغنم وحملانها وكانت ساعة عضيمة هائلة فكشف الله العضيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته عنهم العذاب الذي كان قد التصل بهم بسببه ودار على رؤوسهم كقطع الليل المضلم . وقد اختلف المفسرون: هل ينفعهم هذا الإيمان في الدار الآخرة فلينقذهم من العذاب الأخروي ما أنقذهم من العذاب الدنيوي؟ على القولين:الاضهر من السياق : نعم والله أعلم. كما قالى تعالى :( لما آمنوا) وقال تعالى :(وأسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون. فآمنو ومتعناهم إلى حين ) . وهذا المتاع الحين لاينفي ان يكون معه غيره من رفع العذاب اللأخروي. وقد كانو مائة ألف لامحالة. واختلفوا في الزيادة:فعن مكحول:عشرة آلاف. وروى الترمزي وابن جير وابن حاتم من حديث زهير عمن سمع أبا العالية حدثني أبي بن كعب:أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: (وأرسلناه إلى مائة ألف ويزيدون) قال: (يزيدون عشرين ألفاً) فلولا هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلاً في هذا الباب. وعن ابن عباس: كانوا مائة ألف وثلاثين ألفاً وعنه وبضعة وثلاثين ألفاً. وعنه: وبضعة وأربعين ألفاً. وقال سعيد اب جبير: كانوا مائة ألف وسبعين ألفاً. 
واختلفوا: هل ان إرساله إليهم قبل الحوت أو بعده؟ أو هما امتنان على ثلاثة أقوال (هي مبسوطة في التفسير) والمقصود أنه عليه السلام لما ذهب غاضباً بسبب قومه ركب سفينة في البحر فلجت بهم واضطربت وماجت بهم وثقلت بما فيها وكادوا يغرقون (على ما ذكره المفسرون). قالوا: فتشاوروا فيما بينهم على أن يقترعوا فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليحتفطوا منه فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبي الله يونس فلم يسمحوا له فأعادوها ثانية فوقعت عليه أيضاً فشمر ليخلع ثيابه ويلقي بنفسه فأبوا عليه ذلك ثم أعادوا القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضاً لما يريده الله به من الأمر العظيم قال الله تعالى (وإن يونس لمن المرسلين. إذ أبق إلى الفلك المشحون. فساهم فكان من المدحضين. فالتقمه الحوت وهو مليم) (الصافات 139 - 140) وذلك أنه لما وقعت عليه القرعة ألقي في البحر وبعث الله عزوجل حوتاً عظيماً من البحر الأخضر فالتقمه وأمره الله تعالى أن لا يأكل له لحماً ولا يهشم له عظماً فليس لك برزق فأخذه فطاف به البحار كلها. وقيل: أنه ابتلع ذلك الحةت حوت آخر أكبر منه. قالوا،ولما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات فحرك جوارحهه فتحركت فإذا هو حي فخر لله ساجداً وقال: يا رب! اتخذت لك مسجداً لم يعبدك أحد في مثله. 
اختلفو في مقدار لبثه في بطنه، فقال مجالد عن الشعبي: التقمه ضحى ولفظه عشية. وقال قتادة: مكث فيه ثلاثاً وقال جعفر الصادق: سبعة أيام ويشهد له شعر أمية بن أبي الصلت: وأنت بفضل منك نجيت يونساً وقد بات قي أضعاف جوف حوت ليالياً وقال سعيد بن أبي الحسن وأبومالك: مكث في جوفه أربعين يوماً واله أعلم كم مقدار ما لبث فيه. والمقصود: أنه لما جعل الجوت يطوف به في قرار البحار ويقتحم به لجج الموت الأجاجي فسمع تسبيح الحيتان للرحمن وحتى سمع تسبيح الحصى لفالق الحب والنوى ورب السماوات السبع والأرضين السبع وما بينهما وماتحت الثرى فعند ذلك وهنالك قال ما قال بلسان الحال والمقال كما أخبر عنه ذو العزة والجلال الذي يعلم السر والنجوى ويكشف الضر والبلوى سامع الأصوات وإن ضعفت وعالم الخفيات وإن دقت ومجيب الدعوات وإن عظمت حيث قال تعالى (فنادى في الظلمات) قال ابن مسعود وابن عباس وعمرو بن ميمون وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والضحاك: ظلمة الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل. وقال سالم بن أبي الجعد: ابتلع الحوت حوتاً آخر فصار ظلمة الحوتين مع ظلمة البحر. قوله تعالى: (فلولا أنه كان من المسبحين. للبث في بطنه إلى يوم تبعثون) (الصافات 143 - 144) قيل: معناه لولا أنه سبح الله هنالك وقال ما قال من التهليل والتسبيح والاعتراف لله بالخضوع والتوبة إليه والرجوع غليه للبث هنالك إلى يوم القيامة. ولبعث من جوف ذلك الحوت. هذا معنى ما روى عن سعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه. وقيل: معناه (فلولا أنه كان) من قبل أخذ الحوت له (من المسبحين) أي المطيعين المصلين الذاكرين الله كثيراَ. قاله الضحاك بن قيس وابن عباس وأبو العالية ووهب بن منبه وسعيد بن جبير والضحاك والسدى عطاء بن السائب والحسن البصري وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: (يا غلام إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك  تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) وروى ابن جرير في تفسيره والبزار في مسنده من حديث محمد بن إسحاق عمن حدثه عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذ ولا تخدش لحماً ولا تكسر عظماً. فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حساً فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دواب البحر. قال: فسبح وهو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتاً بأرض غريبة قال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم. قال: فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفه في الساحل كما قال الله: (وهو سقيم) هذا لفظ ابن جرير إسناداً ومتناً. ثم قال البزار: لا نعلمه يروى عن النبي إلا بهذا الإسناد. وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبو عبدالله أحمد بن عبدالرحمن أخي ابن وهب حدثنا عمي حدثنا أبوصخر أن يزيد الرقاشي حدثه: سمعت أنس بن مالك ولا أعلم إلا أن أنساً يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن يونس النبي عليه السلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت قال: اللهم (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) (الأنبياء 87) فأقبلت الدعوة تحن بالعرش فقالت الملائكة: يا رب صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة! فقال: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا رب ومن هو؟ قال: عبدي يونس قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عملاً متقبلاً ودعوة مجابة؟ قالوا: يا ربنا أو لا ترحم ماكان يصنعه في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ قال بلى: فأمر الحوت فطرحه في العراء). ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب به زاد ابن أبي حاتم. 
قال الله تعالى: (فنبذناه) أي ألقيناه (بالعراء) وهو المكان القفر الذي ليس فيه شيء من الأشجار بل هو عار منها (وهو سقيم) الصافات 145. أي ضعيف البدن. قال ابن مسعود: كهيئة الفرخ ليس عليه ريش. وقال ابن عباس والسدي وابن زيد: كهيئة الظبي حين يولد وهو المنفرش ليس عليه شيء (وأنبتنا عليه شجرة من يقطين. قال ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وهلال بن يساف وعبدالله بن طاوس والسدى وقتادة والضحاك وعطاء الخرساني وغير واحد: هو الفرع. 
قال بعض العلماء في انبات القرع عليه حكم جمة منها: أن ورقة في غاية النعومة وكثير وظليل ولا يقربه ذباب ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى آخره نيئاً ومطبوخاً وبقشره وببزره أيضاً وفيه نفع كثير وتقوية للدفاع وغير ذلك وتقدم كلام أبي هريرة في تسخير الله تعالى له تلك الأروية التي كانت ترضعه لبنها وترعى في البرية وتأتيه بكرة وعشية وهذا من رحمة الله به ونعمته عليه وإحسانه إليه. ولهذا قال تعالى: (فاستجبنا له فنجيناه من الغم) أي الكرب والضيق الذي كان فيه. (وكذلك ننجي المؤمنين) أي وهذا صنيعنا بكل من دعانا واستجار بنا. قال ابن جرير: حدثني عمران بن بكار الكلاعي حدثنا يحيى بن صالح حدثنا أبويحيى ابن عبدالرحمن حدثني بشر بن منصور عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن مالك وهو ابن أبي وقاص يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اسم الله الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى) قال: هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها الم تسمع قول الله تعالى: (فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) فهو شرط من الله لمن دعاه به). 
وقال ابن ابي حاتم: حدثنا أبوسعيد الاشج حدثنا أبو خالد الأحمر عن كثير بن زيد عن المطلب بن حنطب - قال أبوخالد: أحسبه عن مصعب - يعني ابن سعد عن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من دعا بدعاء يونس استجيب له) قال أبوسعيد الأشج: يريد به: (وكذلك ننجي المؤمنين) وهذان طريقان عن سعد وثالث أحسن منهما. 
قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عمر حدثنا يونس بن إسحاق الهمذاني حدثنا ابن محمد بن سعد حدثني والدي محمد عنه أبيه سعد وهو ابن أبي وقاص قال: مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه مني ثم لم يرد علي السلام. فأتيت عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين هل حدث في السلام شيء؟ قال: لا وما ذاك؟ قلت: لا إلا أني مررت بعثمان آنفاً في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه مني ثم لم يرد علي السلام. قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه فقال: ما منعك أن لا تكون رددت على أخيك السلام؟ قال: ما فعلت. قال سعد: قلت بلى حتى حلف وحلفت. قال: ثم إن عثمان ذكر فقال: بلى واستغفر الله وأتوب إله إنك مررت بي آنفاً وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة. 
قال سعد: فأنا أنبئك بها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لنا أول دعوة ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الأرض فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من هذا؟ أبو إسحاق؟ قال: قلت نعم يا رسول الله. قال: فمه؟ قلت لا والله إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك. قال: (نعم دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له) ورواه الترمذي والنسائي من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد به. 
قال الله تعلى: (وإن يونس لمن المرسلين) (الصافات 139). وذكره تعالى في جملة الأنبياء الكرام في سورتي النساء والأنعام عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري به. وقال البخاري أيضاً: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى) ونسبه إلى أبيه. ورواه أحمد ومسلم وأبو داود من حديث شعبة به. قال شعبة فيما حكاه أبو داود عنه: لم يسمع قتادة من ابي العالية سوى أربعة أحاديث هذا أحدها. وقد رواه الإمام أحمد عن عفان عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى) تفرد به أحمد ورواه الحافظ أبو القاسم الطبراني. حدثنا محمد بن الحسن بن كيسان حدثنا عبدالله بن رجاء أنبأنا إسرائيل عن أبي يحيى العتاب عن مجاهد عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا ينبغي لأحد أن يقول أنا عند الله خير من يونس بن متى) إسناده جيد ولم يخرجوه. 
وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم سمعت حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) وكذا رواه مسلم من حديث شعبة به. وفي البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن الفضل عن عبدالرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة: في قصة المسلم الذي لطم وجه اليهودي حين قال: لا والذي اصطفى موسى على العالمين. قال البخاري في آخره: (ولا أقول إن أحداً خير من يونس بن متى) أي ليس لأحد أن يفضل نفسه على يونس والقول الآخر: لا ينبغي لأحد أن يفضلني على يونس بن متى كما قد ورد في بعض الأحاديث: (لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متى). وهذا من باب الهضم والتواضع منه صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله والمرسلين. 

AlShamsi Homepage

© 2001 Copyright AlShamsi.Net ™ , All Rights Reserved.