| الصفحة الثانية والأخيرة
قال
العلماء لما استجاب الله له أمره أن يغرس شجراً ليعمل منه السفينة، فغرسه
وانتظره مائة سنة، ثم نجره في مائة أخرى وقيل في أربعين سنة. فالله أعلم.
قال محمد بن اسحاق عن الثوري: وكانت من خشب الساج. وقيل الصنوبر. قال الثوري:
وأمره أن يجعل طولها ثمانين ذراعاً وعرضها خمسين ذراعاً وأن يطلي ظاهرها وباطنها
بالقار، وأن يجعل لها جؤجؤاً أزور (صدراً مرتفعاً) يشق الماء وقال قتادة:
كان طولها ثلثمائة ذراع في عرض خمسين ذراعاً.
وقال
الحسن البصري: ستمائة في عرض ثلثمائة ذراع وعن ابن عباس: ألف ومائتا ذراع
في عرض ستمائة ذراع. وقيل: كان طولها ألفي ذراع وعرضعا مائة ذراع. وقالوا
كلهم: وكان ارتفاعها ثلاثين ذراعاً وكانت ثلاث طبقات كل واحدة عشرة أذرع فالسفلى
للدواب والوحوش والوسطى للناس والعليا للطيور وكان بابها في عرضها ولها غطاء
ومن فوقها مطبق عليها قال الله تعالى: (قال رب انصرني بما كذبون فأوحينا إليه
أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا) المؤمنون 26 - 27. أي أمرنا لك وبمرأة من لصنعتك
لها ومشاهدتنا لذلك لنرشدك إلى الصواب في صنعها ( فإذا جاء أمرنا وفار التنور
فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني
في الذين ظلموا إنهم مغرقون) المؤمنون 27. فتقدم إليه بأمره العظيم العالي
أنه إذا جاء أمره وحل بأسه أن يحمل في هذه السفينة من كل زوجين اثنين من الحيوانات
وسائر ما فيه روح ومن المأكولات وغيرها لبقاء نسلها وأن يحمل معه أهله أي:
أهل بيته إلا من سبق عليه القول منهم أي: إلا من كان كافراً فإنه قد نفذت
فيه الدعوة التي لا ترد ووجب عليه حلول البأس الذي لا يرد وأمر أنه لا يراجعه
فيهم إذا حل بهم ما يعاينه من العذاب العظيم الذي قد حتمه عليهم الفعال لما
يريد.
والمراد
بالتنور عند الجمهور: وجه الأرض أي: نبعث الأرض من سائر أرجائها حتى تنبعث
التنانير التي هي محال النار. وعن ابن عباسظك التنور عين في الهند. وعن الشعبي:
بالكوفة وعن قتادة: بالجزيرة وقال علي بن أبي طالب: المراد بالتنور: فلق الصبح
وتنوير الفجر أي: اشراقه وضياؤه. أي: عند ذلك فاحمل فيها من كل زوجين اثنين.
وقوله تعالى: (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين
اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل) هو. هذا
أمر بأن عند حلول النقمة بهم أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين أن يحمل من كل
ما يؤكل سبعة أزواج ومما لا يؤكل زوجين ذكراً وأثنى وهذا مغاير لمفهوم قوله
تعالى (اثنين) إن جعلنا ذلم مفعولاً به وإما إن حعلناه توكيداً لزوجين والمفعول
به محذوف فلا ينافي والله أعلم.
وذكر
بعضهم ويرى عن ابن عباس: أن أول مدخل من الطيور الدرة (الوحش من الصيد) وآخر
ما دخل من الحيوانات الحمار، ودخل ابليس متعلقاً بذنب الحمار. وقال ابن أبي
حاتم : حدثنا عبدالله بن ثالح حدثني الليث حدثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم
عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لما حمل نوح في السفينة من
كل زوجين اثنين قال أصحابه: وكيف نطمئن أو كيف تطمئن المواشي ومعنا الأسد،
فسلط الله عليه الحمى، فكانت أول حمى نزلت في الأرض، ثم شكوا الفأرة فقالوا:
الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا، فأوحي الله إلى الأسد فعطس فخرجت الهرة
منه، فتخبأت الفأرة منها).
اختلف
اعلماء في عدة من كان معه في السفينة، فعن ابن عباس: كانوا ثمانين نفساً معهم
نساؤهم. وعن كعب الأحبار: كانوا اثنين وسبعين نفساً. وقيل: كانوا عشرة. وقيل:
إنما كان نوحاً وبنيه الثلاثة. وأنه قد ركب معه غير أهله طائفة ممن آمن به،
كما قال: (ونجني ومن معي من المؤمنين) الشعراء 118 وقيل كانوا سبعة، وأما
امرأة نوح وهي أم أولاده كلهم وهم: حام وسام ويافث ويام وكنعان وهو الذي غرق
وعابر قد ماتت قبل الطوفان. قيل: إنها غرقت مع من غرق، وكان ممن سبق عليه
القول لكفرها.
قال
الله تعالى: (فإذا سويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من
القوم الظالمين. وقل رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين) المؤمنون
28 - 29 أمره أن يحمد ربه على ما سخر له من هذه السفينة، فنجاه بها، وفتح
بها، وفتح بينه وبين قومه، وأقر عينه ممن خالفه وكذبه، كما قال تعالى: (والذي
خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون. لتستووا على ظهوره
ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما
كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون) الزخرف 12 - 14 وهكذا يؤمر بالدعاء
في ابتداء الأمور أن يكون على الخير والبركة، وأن تكون عاقبتها محمودة، كما
قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم حين هاجر: (وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني
مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً) وقد امتثل نوح عليه السلام هذه
الوصية: (وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم) هود
41 أي على اسم الله ابتداء سيرها وانتهاؤه (إن ربي لغفور رحيم) وذو عقاب أليم
مع كونه غفوراً رحيماً، لا يرد بأسه عن القوم المجرمين. كما أحل بأهل الأرض
قبله، ولا تمطره بعده، كان كأفواه القرب، وأمر الأرض فنبعت من جميع فجاجها
وسائر أرجائها.
ذكر
ابن جرير وغيره: أ، الطوفان كان في ثالث عشر من شهر أغسطس وقال تعالى: (إنا
لما طغى الماء حملناكم في الجارية) الحاقة 11 أي السفينة (لنجعلها لكم تذكرة
وتعيها أذن واعية) الحاقة 12 قال جماعة من المفسرين: ارتفع الماء على أعلى
جبل بالأرض خمسة عشرا ذراعاً، وقيل: ثمانين ذراعاً، وعم جميع الأرض طولها
وعرضها، سهلها وحزنها وجبالها وقفارها ورمالها، ولم يبق على وجه الأرض ممن
كان بها من الأحياء عين تطرف، ولا صغير ولا كبير. قال الإمام مالك عن زيد
بن أسلم: كان أهل ذلك الزمان قد ملأوا السهل والجبل. وقال عبدالرحمن بن زيد
بن أسلم: (لم تكن بقعة في الأرض إلا ولها مالك وحائز) رواهما ابن أبي حاتم.
(ونادى نوح ابنه كان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين. قال سآوي
إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما
الموج فكان من المغرقين) هود 42 - 43 وهذا الابن هو: يام أخو سام وحام ويافث.
وقيل اسمه كنعان. وكان كافراً عمل عملاً غير صالح، فخالف أباه في دينه ومذهبه
فهلك مع من هلك. هذا وقد نجا مع أبيه الأجانب في النسب، لما كانوا موافقين
في الدين والمذهب (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقضي
الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين) هود 44 أي لما فرغ من
أهل الأرض ولم يبق منها أحد ممن عبد غير الله عزوجل، أمر الله الأرض أن تبلع
ماءها، وأمر السماء أن تقلع أي تمسك عن المطر (وغيض الماء) أي نقص عما كان
(وقضي الأمر) أي وقع بهم الذي كان قد سبق في علمه وقدره من إحلاله بهم ما
حل بهم.
روى
الإمامان أبو جعفر بن جرير وابو محمد بن أبي حاتم في تفسيرهما من طريق يعقوب
بن محمد الزهري عن قائد مولى عبدالله بن أبي رافع أن ابراهيم بن عبدالرحمن
بن أ[ي ربيعة أخبره أن عائشة أم المؤمنين أخبرته: أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (فلو رحم الله من قوم نوح أحداً لرحم أم الصبي) قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (مكث نوح عليه السلام في قومه ألف (يعني إلا خمسين عاماً)،
وغرس مائة سنة الشجر فعظمت وذهبت كل مذهب، ثم قطعها، ثم جعلها سفينة، ويمرون
عليه ويسخرون منه ويقولون: تعمل سفينة في البر، كيف تجري؟! قال: سوف تعلمون.
فلما فرغ ونبع الماء وصار في السكك، فخشيت أم الصبي عليه وكانت تجبه حباً
شديداً، فخرجت به إلى الجبلحتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت
على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيدها فغرقا، فلو رحم الله منهم أحداً
لرحم أم الصبي).
وقد
روى عن كعب الأحبار ومجاهد وغيره واحد شبيه لهذه القصة. ذكر الله تعالى مناشدة
نوح ربه في ولده وشؤاله له عن غرقه على وجه الاستعلام والاستكشاف، ووجه السؤال
أنك وعدتني بنجاة أهلي معي وهو منهم قد غرق، فأجيب: بأنه ليس من أهلك، أي
الذين وعدت بنجاتهم، أي أمل قلنا لك (وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم) فكان
هذا ممن سبق عليه القول منهم بأنه سيغرق بكفره، ولهذا ساقته الأقدار إلى أن
انحاز عن حوزة أهل الإيمان، فغرق مع حزبه أهل الكفر والطغيان، ثم قال تعالى:
(قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم
يمسهم منا عذاب أليم) هود 48 هذا أمر لنوح عليه السلام لما نضب الماء عن وجه
الأرض وأمكن السعي فيها والاستقرار عليها أن يهبط من السفينة التي كانت قد
استقرت بعد سيرها العظيم على ظهر جبل الجودي، وهو جبل بأرض الجزيرة مشهور،
(قرب الموصل بالعراق) (بسلام منا وبركات) أي اهبط سالماً مباركاً عليك وعلى
أمم ممن سيولد بعد، أي من أولادك، فإن الله لم يحعل لأحد ممن كان معه من المؤمنين
نسلاً ولا عقباً سوى نوح عليه السلام، قال تعالى: (وجعلنا ذريته هم الباقين)
الصافات 37 فكل من على وجه الأرض اليوم سائر أجناس بني آدم إلى أولاد نوح
الثلانة وهم (سام وحام ويافث).
قال
الإمام أحمد: حدثنا عبدالوهاب عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: سام أبو العرب، وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم)
ورواه الترمذي عن بشر بن معاذ العقدي عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة
عن قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعاً نحوه. وقال الشيخ أبو عمرو بن عبد البر:
وقد روى عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . قال: والمراد بالروم
هنا الروم : الأول ، وهم اليونان المنتسبون الى الى رومي بن لبطي بن يونان
بن يافث ابن نوح عليه السلام . عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي
هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(ولد لنوح سام وحام ويافث
، فولد لسام : العرب وفارس والروم والخير فيهم ، وولد ليافث يأجوج ومأجوج
والترك والسقالبة ولا خير فيهم ، وولد لحام : القبط والبربر والسودان ) ثم
قال : لا نعلم يروى مرفوعا الى من هذا الوجه ، تفرد به محمد بن يزيد بن سنان
عن أبيه ، وقد حدث عنه جماعه من أهل العلم واحتملوا حديثه ، ورواه غيره عن
يحيى بن سعيد مرسلا ولم يسنده وانما جعله من قول سعيد . قلت : وهذا الذي ذكره
أبو عمرو هو المحفوظ عن سعيد قوله . وهكذا روي عن وهب بن منبه مثله .والله
أعلم .ويزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي : ضعيف بمرة لا يعتمد عليه . وقد قيل
: إن نوح عليه السلام لم يولد له هؤلاء الثلاثة الأولاد إلا بعد الطوفان وإنما
ولد له قبل السفينة : كنعان الذي غرق وعابر ومات قبل الطوفان والصحيح أن الأولاد
الثلاثة كانوا معه في السفينة هم ونساؤهم وأمهم .
ذكر
الإمام أبو جعفر بن جرير من طريق علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن
ابن عباس أنه قال: (قال الحواريون لعيسى بن مريم: لو بعث لنا رجلاً شهد السفينة
فحدثنا عنها؟ قال: فانطلق بهم حتى أتى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفاً من ذلك
التراب بكفه قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم! قال: هذا كعب حام
بن نوح، قال: وضرب الكثيب بعصاه، وقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب
عن رأسه قد شاب، فقال له عيسى عليه السلام: هكذا هلكت؟ قال: لا، ولكني مت
وأنا شاب، ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت. قال: حدثنا عن سفينة نوح. قال:
كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات: فطبقة
فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير. قال قتادة وغيره:
ركبوا في السفينة اليوم العاشر من شهر رجب، فساروا مائة وخمسين يوماً واستقرت
بهم على الجودي شهراً، كان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم. وقد
روى ابن جرير خبراً مرفوعاً يوافق هذا، وأنهم صاموا ذلك. وقال الإمام أحمد:
حدثنا أبو جعفر حدثنا عبدالصمد بن حبيب الأزدي عن أبيه حبيب بن عبدالله عن
شبل عن أبي هريرة قال: (مر النبي صلى الله عليه وسلم بأناس من اليهود وقد
صاموا يومهم ذلك. فقال: ما هذا الصوم؟ فقالوا: هذا اليوم الذي نجا الله موسى
وبني اسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي،
فصام نوح وموسى عليهما السلام شكراً لله عزوجل. فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: أنا أحق بموسى، وأحق بصوم هذا اليوم. وقال لأصحابه: من كان منكم أصبح
صائماً فليتم صومه، ومن كان منكم قد أصاب من غد أهله فليتم بقية يومه). وهذا
الحديث له شاهد في الصحيحين من وجه آخر، والمستغرب ذكر نوح أيضاً والله أعلم.
قال
الله تعالى: (إنه كان عبداً شكوراً) قيل إنه كان يحمد الله على طعامه وشرابه
ولباسه وشأنه كله، وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو أسامة حدثنا زكريا بن أبي
زائدة عن سعيد بن أبي بردة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها. أو يشرب الشربة
فيحمده عليها) وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث أبي أسامة. والظاهر:
أن الشكور هو الذي يعمل بجميع الطاعات القلبية والقولية والعملية، فإن الشكر
يكون بهذا وبهذا كما قال الشاعر:
أفادتكم
النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا
قال
ابن ماجه في باب صيام نوح عليه السلام: حدثنا سهل بن أبي سهل حدثنا سعيد بن
أبي مريم عن ابن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن أبي فراس أنه سمع عبدالله بن عمرو
يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (صام نوح الدهر، إلا يوم عيد
الفطر، ويوم الأضحى) هكذا رواه ابن ماجه عن طريق عبدالله بن لهيعة بإسناده
ولفظه. وقد قال الطبراني: حدثنا أبو الزنباع روح بن فرج حدثنا عمرو
بن خالد الحراني حدثنا ابن لهيعة عن أبي قتادة عن يزيد بن رباح أبي فراس أنه
سمع عبدالله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (صام
نوح الدهر إلا يوم الفطر والأضحى، وصام داود نصف الدهر، وصام ابراهيم ثلاثة
أيام من كل شهر. صام الدهر وأفطر الدهر) قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سفيان
بن وكيع حدثنا أبي عن زمعة هو ابن أبي صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن
ابن عباس قال: ( حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتى وادي عسفان قال:
يا أبابكر، أي واد هذا؟ قال: هذا وادي عسفان قال: لقد مر بهذا الوادي نوح
وهود وابراهيم على بكرات لهم حمر، خطمهم الليف (ما يوضع في أنف البعير ليسهل
قياده) وأرديتهم النمار، يحجون البيت العتيق.
قال
الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن الصقعب بن زهير عن
زيد بن أسلم قال حماد أظنه عطاء بن يسار عن عبدالله بن عمرو قال: (كنا عند
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل من أهل البادية عليه جبة سيحان مزرورة
بالديباج، فقال: ألا إن صاحبكم هذا قد وضع كل فارس ابن فارس. ورفع كل راع
ابن راع، قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجامع جبته وقال: لا أرى
عليك لباس من لا يعقل. ثم قال: إن نبي الله نوحاً عليه السلاك لما حضرته الوفاة
قال لابنه: إني قاص عليك الوصية: آمرك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين: آمرك بلا
إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، لو أن السماوات السبع والأرضين
السبع كن حلق مبهمة فضمتهن لا إله إلا الله وسبحان الله وبحمده، فإن بها صلات
كل شيء، وبها يرزق الخلق، وأنهاك عن الشرك والكبر) قال: قلت: (أو) قيل: يا
رسول الله، هذا الشرك قد عرفناه، فما الكبر؟ أن يكون لأحدنا حلة يلبسها؟ قال:
لا. قال: هو أن يكون لأحدنا دابة يركبها؟ قال: لا. هو أن يكون لأحدنا أصحاب
يجلسون إليه؟ قال: لا. قلت: (أو) قيل: يا رسول الله فما الكبر؟ قال: سفه الحق،
وغمض الناس. وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه. ورواه أبو القاسم الطبراني من حديث
عبدالرحيم بن سليمان عن محمد بن اسحاق عن عمرو بن دينار عن عبدالله بن عمرو
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كان في وصية نوح لإبنه أوصيك بخصلتين
ونهاك عن خصلتين) فذكر نحوه. وقد رواه أبو بكر البزار عن ابراهيم بن سعيد
عن أبي معاوية الضرير عن محمد بن اسحاق عن عمرو بن دينار عن عبدالله بن عمر
بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. والظاهر أنه عن عبدالله بن
عمرو بن العاص كما رواه أحمد والطبراني والله أعلم.
قيل:
أن نوحاً عليه السلام لما ركب السفينة كان عمره ستمائة سنة. عن ابن عباس مثله
وزاد: وعاش بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين سنة وفي هذا القول نظر ثم إن لم يمكن
الجمع بينه وبين دلالة القرآن فهو خطأ محض فإن القرآن يقتضي أن نوحاً مكث
في قومه بعد البعثة وقبل الطوفان ألف سنة إلا خمسين عاماً فأخذهم الطوفان
وهم ظالمون ثلاثمائة وخمسين سنة فيكون قد عاش على هذا ألف سنة وسبعمائة وثمانين
سنة.
وأما
قبره عليه السلام فروى ابن جرير والأزرقي عن عبدالرحمن بن سابط أو غيره من
التابعين مرسلاً أن قبر نوح عليه السلام بالمسجد الحرام وهذا أقوى وأُثبت
من الذي يذكره كثير من المتأخرين من أنه ببلدة بالبقاع تعرف اليوم بكرك نوح
وهناك جامع قد بنى بسبب ذلك فيما ذكر والله أعلم.
|