الصفحة الثانية

اختلفوا في هذا الشيخ من هو ؟ فقيل: هو شعيب عليه السلام . وهذا هو المشهور عند كثيرين ومما نص عليه الحسن البصري ومالك بن أنس وجاء مصرحا به في حديث ، و لكن في اسناده نظر ، وصرح طائفة بأن شعيبا عليه السلام عاش عمرا طويلا بعد هلاك قومه ، حتى أدركه موسى عليه السلام وتزوج بابنته . وروى ابن أبي حاتم وغيره عن الحسن البصري : أن صاحب موسى عليه السلام هذا اسمه شعيب ، وكان سيد الماء ، لكن ليس بالنبي صاحب مدين وقيل إنه ابن أخي شعيب وقيل ابن عمه وقيل رجل مؤمن من قوم شعيب ، وقيل رجل اسمه يثرون ، هكذا هو في كتب أهل الكتاب : يثرون كاهن مدين أي كبيرها وعالمها . قال ابن عباس وأبو عبيده بن عبد الله: اسمه يثرون ، زاد أبو عبيده وهو ابن أخو شعيب . زاد ابن عباس : صاحب مدين . بعدما أضافه وأكرم مثواه فقص عليه ما كان من أمره ، بشره بأنه قد نجى فعند ذلك قالت احدى البنتين لأبيها : يا أبي استأجره - أي لرعي غنمك-  ثم مدحته بأنه قوي أمين . قال عمر وابن عباسوشريح القاضي وأبو مالك وقتاده ومحمد ابن اسحاق وغير واحد : لما قالت ذلك قال لها أبوها : وما أعلمك بهذا . فقالت : أنه رفع صخرة لا يطيق رفعها الا عشرة ،وأنه لما جئت معه تقدمت أمامه فقال كوني من ورائي ، فإذا اختلف الطريق فاقذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق . قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة : صاحب يوسف حين قال لإمرأته أكرمي مثواه ، وصاحبة موسى حين قالت : (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين) ، وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب.(قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثمان حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين) فاستدل بهذا جماعة من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله على صحة ما إذا باعه هذين العبدين أو الثوبين ونحو ذلك أنه يصح ، لقوله : (احدى ابنتي هاتين ) وفي هذا نظر ، لأن هذه مراوضة لا معاقدة . قال البخاري : حدثنا محمد بن عبد الرحيم حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا مروان بن شجاع عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة : أي الأجلين قضى موسى ؟ فقلت : لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله : فتقدمت فسألت ابن عباس ، فقال : قضى أكثرهما وأطيبهما ، إن رسول الله إذا قال فعل .تفرد به البخاري من هذا الوجه وقد رواه النسائي في حديث الفتون من طريق القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير . وقد رواه ابن جرير عن أحمد بن محمد الطوسي وابن أبي حاتم عن أبيه كلاهما عن الحميدي عن سفيان بن عيينه حدثني ابراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " سألت جبريل أي الأجلين قضى موسى ؟ قال : أتمهما وأكملهما " وقد رواه البزار عن أحمد بن أبان القرشي عن سفيان بن عيينه عن ابراهيم بن أعين عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره . وقد رواه سنيد عن حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مرسلا : أن رسول الله سأل عن ذلك جبريل ، فسأل جبريل إسرافيل فسأل إسرافيل الرب عز وجل فقال : أبرهما وأوفاهما . ورواه ابن جرير من طريق محمد بن كعب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الأجلين قضى موسى ؟ قال : أوفاهما وأتمهما . عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الأجلين قضى موسى ؟ قال : أوفاهما وأبرهما .قال : وإن سئلت أي المرأتين تزوج ؟ فقل الصغرى منهما .

أراد موسى عليه السلام فراق شعيب سأل امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به. فأعطاها ما ولدت من غنمه من قالب لون من ولد ذلك العام، وكانت غنمه سوداً حساناً، فانطلق موسى عليه السلام إلى عصا قسمها من طرفها، ثم وضعها في أدنى الحوض، ثم أوردها فسقاها، ووقف موسى عليه السلام بإزاء الحوض فلم يصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة. قال: فائتمنت، وانثت، ووضعت كلها قوالب ألوان، إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش، ولا ضبوب، ولا عزوز، ولا ثعول، ولا كموش تفوت الكف. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو اقتحمتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم) وهي السامرية. قال ابن لهيعة: الفشوش: واسعة السخب. والضبوب: طويلة الضرع تجره. والعزوز: ضيقة السخب، الثعول: الصغيرة الضرع كالحلمتين. والكموش: التي لا يحكم الكف على ضرعها لصغره. وفي صحة رفع هذا الحديث نظر، وقد يكون موقوفاً. كما قال ابن جرير حدثنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة حدثنا أنس بن مالك قال: (لما دعا نبي الله موسى صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما، قال له صاحبه: كل شاة ولدت على لونها فلك ولدها، فعمد فوضع خيالاً على الماء ، فلما رأت الخيال فزعت، فجالت جولة، فولدن كلهن بلق (بلقات الشاة: كان فيها سواد وبياض) إلا شاة واحدة، فذهب بأولادهن ذلك العام). 
تقدم أن موسى قضى أتم الأجلين وأكملهما، وقد يؤخذ هذا من قوله: (فلما قضى موسى الأجل) وعن مجاهد: أنه أكمل عشراً وعشراً بعدها. وقوله: (وسار أهله) أي من عند صهره ذاهباً. فيما ذكره غير واحد من المفسرين، وغيرهم: أنه اشتاق إلى أهله، فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة متحف، فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم وغنم قد استفادها مدة مقامه قالوا، واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة وتاهوا في طريقهم، فلم يهتدوا إلى السلوك في الدرب المألوف، وجعل يوري زناده فلا يورى شيئاً، واشتد الظلام والبرد، فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد ناراً تأجج في جانب الطور - وهو الجبل الغربي منه عن يمينه - فقال لأهله: امكثوا إني آنست ناراً، وكأنه - والله أعلم - رآها دونهم، لأن هذه النار هي نور في الحقيقة، ولا يصلح رؤيتها لكل أحد. (لعلي آتيكم منها بخبر) أي لعلي استعلم من عندها عن الطريق (أو جذوة من النار لعلكم تصطلون) فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة، لما قصد موسى تلك النار التي رآها فانتهى إليها، وجدها تأجج في شجرة خضراء من العوسج (الشوك) وكل ما لتلك النار في اضطرام، وكل ما لخضرة تلك الشجرة في ازدياد، فوقف متعجباً، وكانت تلك الشجرة في لحف جبل غربي منه عن يمينه، كما قال تعالى: (وما كنت بجانب الغربي إذ اقتضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين) القصص 44. وكان موسى في واد اسمه طوى، فكان موسى مستقبل القبلة وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب، فناداه ربه بالواد المقدس طوى، فأمر بخلع نعليه تعظيماً وتكريماً وتوقيراً لتلك البقعة المباركة ولا سيما في تلك الليلة المباركة. 
وعند أهل الكتاب: أنه وضع يده على وجهه من شدة ذلك النور، مهابة له وخوفاً على بصره، ثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلاً له: إنني أنا الله رب العالمين. (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة إلا له. ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار، وإنما الدار الباقية يوم القيامة، التي لابد من كونها ووجودها (لتجزي كل نفس بما تسعى) أي من خير وشر، وحضه وحثه على العمل لها، ومجانبة من لا يؤمن بها ممن عصى مولاه واتبع هواه. 
قال تعالى له  مخاطباً ومؤانساً ومبيناً له أنه القادر على كل شيء الذي يقول للشيء كن فيكون: (وما تلك بيمينك يا موسى) أي ما هذه عصاك التي تعرفها منذ صحبتها؟ (قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها غنمي ولي فيها مآرب أخرى) أي بل هذه عصاي التي أعرفها وأتحققها (قال ألقها يا موسى. فألقاها فإذا هي حية تسعى) طه 19 - 20. وهذا خارق عظيم وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه يقول للشيء كن فيكون. وأنه الفعال بالاختيار. 
وعند أهل الكتاب: أنه سأل برهاناً على صدقه عند من يكذبه من أهل مصر. فقال له الرب عزوجل: ما هذه التي في يدك قال: عصاي، قال: ألقها إلى الأرض (فألقاها فإذا هي حية تسعى) فهرب موسى من أمامها فأمره الرب عزوجل أن يبسط يده ويأخذها بذنبها، فلما استمكن منها ارتدت عصا في يده وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: (وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب) أي قد صارت حية عظيمة لها ضخامة هائلة وأنياب تصك وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان وهو ضرب من الحيات، يقال الجان والجنان وهو لطيف ولكن سريع الاضطراب والحركة جداً فهذه جمعت الضخامة والسرعة الشديدة فلما عاينها موسى عليه السلام ولى مدبراً أي هارباً منها لأن طبيعته البشرية تقتضي ذلك (ولم يعقب) أي ولم يلتفت (فناداه ربه) قائلاً له: (يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين) فلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها: (قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى. فيقال: إنه هابها شديداً فوضع يده في كم مدرعته، ثم وضع يده في وسط فمها، وعند أهل الكتاب: بذنبها فلما استمكن منها إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين، فسبحان القدير العظيم رب المشرقين والمغربين، ثم أمره تعالى بإدخال يده في جيبه، ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضاً من غير سوء - أي من غير برص ولا بهق - ولهذا قال: (اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب) قيل: معناه إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك، وهذا وإن كان خاصاً به إلا أن بركة الإيمان به حق بأن ينفع من استعمل ذلك على وجه الاقتداء بالأنبياء. يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وكليمه موسى عليه السلام، في جوابه لربه عزوجل، حين أمره بالذهاب إلى عدوه الذي خرج من ديار مصر فراراً من سطوته وظلمه، حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطي، ولهذا (قال رب إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون. وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني إني أخاف أن يكذبون). أي اجعله معي معيناً وردءاً ووزيراً يساعدني ويعينني على أداء رسالتك إليهم، فإنه أفصح مني لساناً وأبلغ بياناً. قال الله تعالى مجيباً له إلى سؤاله: (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً) أي برهاناً (فلا يصلون إليكما) أي فلا ينالون منكما مكروهاً بسبب قيامكما بآياتنا. وقيل: ببركة آياتنا (أنتما ومن اتبعكما الغالبون) وقال في سورة طه: (اذهب إلى فرعون إنه طغى. قال رب اشرح لي صدي ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي) طه 24 - 28. قيل: أنه أصابه في لسانه لثغة، بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه التي كان فرعون أراد اختبار عقله، حين أخذ بلحيته وهو صغير فهم بقتله، فخافت عليه آسية وقالت: إنه طفل، فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه، فهم بأخذ التمرة فصرف الملك يده إلى الجمرة، فأخذها فوضعها على لسانه، فأصابته لثغة بسببها، فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله، ولم يسال زوالها بالكلية. 
قال الحسن البصري: والرسل إنما يسألون بحسب الحاجة، ولهذا بقيت في لسانه بقية، ولهذا قال فرعون قبحه الله فيما زعم إنه يعيب به الكليم: (ولا يكاد يبين) أي يفصح عن مراده، ويعبر عما في ضميره وفؤاده. 

قال موسى عليه السلام: (واجعل لي وزيراً من أهلي. هارون أخي. اشدد به أزري. وأشركه في أمري. كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيراً. قال قد أوتيت سؤلك يا موسى) (طه 29 - 36) أي قد أجبناك إلى جميع ما سألت، إلى أخيه فأوحى إليه، وهذا جاه عظيم، قال الله تعالى: (وكان عند الله وجيهاً) (الأحزاب 69) وقال تعالى: (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبياً) (مريم 53) وقد سمعت أم المؤمنين عائشة رجلاً يقول لأناس وهم سائرون في طريق الحج: (أي أخ أمن على أخيه)؟ فسكت القوم، فقالت عائشة لمن حول هودجها: هو موسى بن عمران، حين شفع في أخيه هارون فأوحى إليه قال الله تعالى: (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبياً). 
فأتيا فرعون فقالا له ذلك، وبلغاه ما أرسلا به من دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له. وأن يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته، وتركهم يعبدون ربهم حيث شاؤوا، ويتفرغون لتوحيده ودعائه والتضرع لديه. فتكبر فرعون في نفسه وعتا وطغى، ونظر إلى موسى بعين الازدراء والتنقص قائلاً له: (ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين) (الشعراء 18) أي ما أنت الذي ربيناه في منزلنا، وأحسنا إليه، وأنعمنا عليه مدة من الدهر. وهذا يدل على أن فرعون الذي فر منه مات في مدة مقامه بمدين، وأن الذي بعث إليه فرعون آخر. وقوله (وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين) أي وقتلت الرجل القبطي وفررت منا وجحدت نعمتنا (قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين) (الشعراء 20) أي قبل أن يوحى إلي وينزل علي (ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين) (الشعراء 21) ثم قال مجيباً عما امتن به من التربية والاحسان إليه (وتلك نعمة تمنهاعلي أن عبدت بني إسرائيل) أي وهذه النعمة التي ذكرت أنك أحسنت إلي وأنا رجل من بني إسرائيل، تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكامله، واستعبدتهم في أعمالك وخدمك وأشغالك. 
يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة والمحاجة والمناظرة وما أقامه الكليم على فرعون اللئيم من الحجة العقلية المعنوية ثم الحسية وذلك أن فرعون قبحه الله إله أظهر جحد الصانع تبارك وتعالى وزعم أنه الإله (فحشر فنادى. فقال أنا ربكم الأعلى) (النازعات 23 - 24) وقال: (يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري) وهو في هذه المقالة معاند يعلم أنه عبد مربوب وأن الله هو الخالق البارئ المصور الإله الحق كما قال تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) (النمل 14) ولهذا قال لموسى عليه السلام على سبيل الإنكار لرسالته والإظهار أنه ما ثم رب أرسله (وما رب العالمين) لأنهما قالا له: (إنا رسول رب العالمين) فكأنه يقول لهما: ومن رب العالمين الذي تزعمان أنه أرسلكما وابتعثكما؟ فأجابخ موسى قائلاً: (رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين) (الشعراء 24) يعني رب العالمين خالق هذه السماوات والأرض المشاهدة وما بينهما من المخلوقات المتجددة من السحاب والرياح والمطر والنبات والحيوانات التي يعلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها ولابد لها من موجد ومحدث وخالق وهو الله الذي لا 'له إلا هو رب العالمين (قال) أي فرعون لمن حوله من امرائه ومرازبته (رؤساء قومه) وزرائه على سبيل التهكم والتنقص لما قرره موسى عليه السلام: (ألا تسمعون) يعني كلامه هذا. قال موسى مخاطباً له ولهم: (ربكم ورب آبائكم الأولين) أي هو الذي خلقكم والذين من قبلكم من الآباء والأجداد والقرون السالفة في الآباء فإن كل أحد يعلم أنه لم يخلق نفسه ولا أبوه ولم يحدث من غير محدث وإنما أوجده وخلقه رب العالمين. 

هذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) (فصلت 53). ومع هذا كله لم يستفق فرعون من رقدته ولا نزع عن ضلالته بل استمر على طغيانه وعناده وكفرانه (قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون. قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون) أي هو المسخر لهذه الكواكب الزاهرة المسير للأفلاك الدائرة خالق الظلام والضياء ورب الأرض والسماء رب الأولين والآخرين خالق الشمس والقمر الكواكب السائرة والثوابت الحائرة خالق الليل بظلامه والنهار بضيائه والكل تحت قهره وتسخيره وتسييره سائرون وفي فلك يسبحون يتعاقبون في سائر الأوقات ويدورون فهو تعالى الخالق المالك المتصرف في خلقه بما يشاء. فلما قامت الحجج على فرعون وانقطعت شبهه ولم يبق له قول سوى العناد عدل إلى استعمال سلطانه وجاهه وسطوته (قال لإن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك بشيء مبين. قال فات به إن كنت من الصادقين. فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين. ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) (الشعراء 28 - 33). وهذان هما البرهانان اللذان أيده الله بهما وهما العصا واليد وذلك مقام أظهر فيه الخارق الذي بهر به العقول والأبصار حين ألقى عصاه فغذا هي ثعبان مبين أي عظيم الشكل بديع في الضخامة والهول والمنظر العظيم الفظيع الباهر حتى قيل: عن فرعون لما شاهد ذلك وعاينه أخذه رهب شديد وخوف عظيم وبحيث أنه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم، وكان قبل ذلك لا يتبرز في كل أربعين يوماً إلا مرة واحدة فانعكس عليه الحال. وهكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده في جيبه واستخرجها أخرجها وهي كفلقة القمر تتلألأ نوراً بهر الأبصار فإذا أعادها إلى جيبه رجعت إلى صفتها الأولى، ومع هذا كله لم ينتفع فرعون - لعنه الله - بشيء من ذلك بل استمر على ما هو عليه وأظهر أن هذا كله سحر وأراد معارضته السحرة فأرسل يجمعهم من سائر مملكته ومن في رعيته وتحت قهره ودولته كما سيأتي بسطه وبيانه في موضعه من إظهار الحق المبين والحجة الباهرة القاطعة على فرعون وملائه وأهل دولته وملته. ولله الحمد والمنة. قال تعالى في سورة طه: (فلبث سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى واصطنعتك لنفسي. إذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا قي ذكري إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى. قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا وأن يطغى. قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى) طه 40 - 46. 
يقول تعالى مخاطباً لموسى فيما كلمه به ليلة أوحي إليه وأنعم بالنبوة عليه وكلمه منه إلأيه: قد كنت مشاهداً لك وأنت في دار فرعون وأنت تحت كنفي وحفظي ولطفي ثم أخرجتك من أرض مصر إلى أرض مدين بمشيئتي وقدرتي وتدبيري فلبث فيها سنين  (ثم جئت على قدر) أي منى لذلك فوافق ذلك تقديري وتسيري (واصطنعتك انفسي) أي اصطفيتك لنفسي برسالتي وكلامي (اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري) يعني ولا تفترا في ذكري إذ قدمتما عليه ووفدتما إليه، فإن ذلك عون لكما علىمخاطبته ومجاوبته وإهداء النصيحة إليه وإقامة الحجة عليه. وقد جاء في بعض الأحاديث: (يقول الله تعالى: إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه) وقال تعالى: (يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً) الأنفال 45. ثم قال تعالى: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى. فقولا قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى) طه 43 - 44. وهذا من حلمه تعالى وكرمه ورأفته ورحمته بخلقه مع علمه بكفر فرعون وعتوه وتجبره وهو إذ ذاك أردى خلقه وقد بعث إليه صفوته من خلقه في ذلك الزمان ومع هذا يقول لهما ويأمرهما أن يدعواه إليه بالتي هي أحسن برفق ولين، ويعاملاه معاملة من يرجو أن يتذكر أو يخشى كما قال لرسوله: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) وقال تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم) العنكبوت 46. قال الحسن البصري: (فقولا قولاً لينا) اعذرا إليه قولاً له: إن لك رباً ولك معاداً وإن بين يديك جنة وناراً.  

AlShamsi Homepage

© 2001 Copyright AlShamsi.Net ™ , All Rights Reserved.