|
|
|
|
|
| الصفحة الثانية
تقدم: أن مريم لما جعلتها أمها محررة تخدم بيت المقدس وأنه كفلها زوج أختها - أو خالتها - نبي ذلك الزمان زكريا عليه السلام وأنه اتخذ لها محراباً وهو: المكان الشريف من المسجد لا يدخله أحد عليها سواه وأنها لما بلغت اشتهدت في العبادة فلم يكن في ذلك الزمان نظيرها في فنون العبادات، وظهر عليها من الأحوال ما غبطها به زكريا عليه السلاموأنها خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء الله لها وبأنه سيهب لها ولداً زكياً يكون نبياً كريماً طاهراً مكرماً مؤيداً بالمعجزات، فتعجبت من وجود ولد من غير والد لأنها لا زوج لها ولا هي ممن تتزوج، فأخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون فاستكانت لذلك وأنابت وسلمت لأمر الله وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها فإن الناس يتكلمون فيها بسببه لأنهم لا يعلمون حقيقة الأمر وإنما ينظرون إلى ظاهر الحال من غير تدبر ولا تعقل وكانت إنما تخرج من المسجد في زمن حيضها أو لحاجة ضرورية لابد منها من استقاء ماء أو تحصيل غذاء، فبينما هي يوماً قد خرجت لبعض شؤونها (وانتبذت) أي انفردت وحدها شرقي المسجد الأقصى إذ بعث الله إليها الروح الأمين: جبريل عليه السلام (فتمثل لها بشراً سوياً) فلما رأته (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً). (قال إنما أنا رسول ربك) أي خاطبها الملك قائلاً: إنما أنا رسول ربك لست ببشر ولكني ملك بعثني الله إليك (لأهب لك غلاماً زكياً) أي ولداً زكياً (قالت أنى يكون لي غلام) أي كيف يكون لي غلام؟ أو يوجد لي ولد (ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً) أي: ولست ذات زوج! وما أنا ممن يفعل الفاحشة! (قال كذلك قال ربك هو علي هين) أي: فأجابها الملك عن تعجبها من وجود ولد منها والحالة هذه قائلاً: (كذلك قال ربك) أي وعد أنه سيخلق منك غلاماً وليست بذا بعل ولا تكونين ممن تبغين (هو علي هين) أي وهذا سهل عليه ويسير لديه فإنه على ما يشاء قدير. وقوله (ولنجعله آية للناس) أي ولنجعل خلقه والحالة هذه دليلاً على كمال قدرتنا على أنواع الخلق، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى وخلق حواء من ذكر بلا أنثى وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى. وقوله: (ورحة منا) أي نرحم به العباد بأن يدعوهم إلى الله في صغره وكبره طفولته وكهولته بأن يفردوا الله بالعبادة وحده لا شريك له وينزهوه عن اتخاذ الصاحبة والأولاد والشركاء والنظراء والأضداد والأنداد. وقوله: (وكان أمراً مقضياً) ييحتمل أن يكون هذا من تمام كلام جبريلمعها يعني: أن هذا أمر قد قضاه الله وحتمه وقدره وقرره. وهذا معنى قول محمد بن اسحاق: واختاره ابن جرير ولم يحك سواه. والله أعلمز ويحتمل أن يكون قوله: (وكان أمراً مقضياً) كناية عن نفخ جبريل فيها كما قال تعالى: (ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فتفخنا فيه من روحنا) (التحريم 116) فذكر غير واحد من السلف: أن جبريل نفخ في جيب درعها فحملت من فورها كما تحمل المرأة طبيعياً. ومن قال: إنه نفخ في فمهاز أو أن الذي كان يخاطبها هو الروح الذي ولج فيها من فمها. فقوله خلاف ما يفهم من سياقات هذه القصة في محالها من القرآن فإن هذا السياق يدل على أن الذي أرسل إليها ملك من الملائكة - وهو جبريل عليه السلام - وأنه إنما نفخ فيها. ونفخ في جيبها فانسلكت فيه كما قال تعالى: (فنفخنا فيه من روحنا) يدل على أن النفخة ولجت فيه لا في فمها كما روى عن أبي بن كعب، ولا في صدرها. كما رواه السدي بإسناده عن بعض الصحابة. لهذا
قال تعالى: (فحملته) أي حملت ولدها (فانتبذت به مكاناً قصياً) وذلك لأن مريم
عليها السلام لما حملت ضاقت به ذرعاً وعلمت أن كثيراً من الناس سيكون منهم
كلام في حقها فذكر غير واحد من السلف منهم وهب بن منبه: أنها لما ظهرت عليها
مخايل الحمل كان أول من فطن لذلك رجل يقال له يوسف بن يعقوب النجار: وكان
ابن خالها فجعل يتعجب من ذلك شديداً وذلك لما يعلم من ديانتها ونزاهتها وعبادتها
وهو مع ذلك يراها حبلى وليس لها زوج فعرض لها ذات يوم في الكلام فقال: يا
مريم هل يكون من غير بذر؟ قالت: نعم فمن خلق الزرع الأول؟ ثم قال: فهل يكون
شجر من غير ماء ولا مطر؟ قالت: نعم فمن خلق الشجر الأول؟ . ثم قال: فهل يكون
ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم إن الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى. قال لها:
فأخبريني خبرك؟ فقالت: إن الله بشرني (بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم
وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين. ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن
الصالحين) ويروى مثل هذا عن زكريا عليه السلام أنه سألها فأجابته بمثل هذا
والله أعلم.
كانت
من المنقطعات المعتكفات ومن بيت النبوة والديانة فحملت بسبب ذلك من الهم ما
تمنت أن لو كانت ماتت قبل هذا الحال أو كانت: (نسياً منسياً) أي لم تخلق بالكلية.
وقوله: (فناداها من تحتها) وقرئ من تحتها (على الخفض) وفي المضمر قولان: أحدهما:
أنه جبريلز قاله العوفي عن ابن عباس قال: ولم يتكلم عيسى إلا بحضرة القوم.
وهكذا قال سعيد بن جبير وعمرو بن ميمون والضحاك والسدي وقتادة. وقال مجاهد
والحسن وابن زيد وسعيد بن جبير في رواية: هو ابنها عيسى واختاره ابن جرير.
وقوله (ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً) قيل: النهر. وإليه ذهب الجمهور.
وجاء فيه حديث رواه الطبراني لكنه ضعيف واختاره ابن جرير وهو الصحيح وعن الحسن
والربيع بن أنس ولبن أسلم وغيرهم: أنه ابنها. والصحيح الأول قوله: (وهزي إليك
بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً) فذكر الطعام والشراب ولهذا اقل: (فكلي
واشربي وقري عيناً) ثم قيل: كان جذع النخلة يابساً. وقيل: كانت نخلة مثمرة.
فالله أعلم. ويحتمل: أنها كانت نخلة لكنها لم تكن مثمرة إذ ذاك لأن ميلاده
كان في زمن الشتاء وليس ذاك وقت ثمر. وقد يفهم ذلك من قوله تعالى على سبيل
الامتنان (تساقط عليك رطباً جنياً) قال عمرو بن الميمون: ليس شيء أجود للنفساء
من التمر والرطب ثم تلا هذه الآية.
أول كلام تفوه به عيسى عليه السلام فكان أن (قال إني عبد الله) (مريم 30)، اعترف لربه تعالى بالعبودية وأن الله ربه فنزه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله بل هو عبده ورسوله وابن أمته ثم برأ أمه مما نسبه الجاهلون وقذفوها به ورموها بسببه بقوله: (آتاني الكتاب وجعلني نبياً) فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا كما قال تعالى: (وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً) (النساء 156) وذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا إنها حملت به من زنا في زمن الحيض فبرأها الله من ذلك وأخبر عنها أنها صديقة واتخذ ولدها نبياً مرسلاً أحد أولي العزم الخمسة الكبار ولهذا قال: (وجعلني مباركاً أينما كنت) وذلك أنه حيث كان دعا إلى عبادة الله من ذلك وحده لا شريك له ونزه جنابه عن النقص والعيب من اتخاذ الولد والصاحبة تعالى وتقدس: (وأوصاني بالصلاة والإحسان إلى الخليقة بالزكاة وهي تشتمل على طهارة النفوس من الأخلاق الرذيلة وتطهير الأموال الجزيلة بالعطية للمحاويج على اختلاف الأصناف وقرى الأضياف والنفقات على الزوجات والأرقاء والقرابات وسائر وجوه الطاعات وأنواع القربات. ثم قال: (وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً) أي وجعلني براً بوالدتي وذلك أنه تأكد حقها عليه لتمحص جهتها (لخلاص نسبه إليها وحدها) إذ لا والد له سواها فسبحان من خلق الخليقة وبرأها وأعطى كل نفس هداها (ولم يجعلني جباراً شقياً) أي لست بفظ ولا غليظ ولا يصدر مني قول ولا فعل ينافي أمر الله وطاعته (والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً) وهذه الأماكن الثلاثة التي تقدم الكلام عليها في قصة يحيى بن زكريا عليه السلام. ثم لما ذكر تعالى قصته على الجلية وبين أمره ووضحه وشرحه قال: (ذلك سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) (مريم 34 - 35) كما قال تعالى بعد ذكر قصته وما كان من أمره في آل عمران (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم. إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون. الحق من ربك فلا تكن من الممترين. فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين. إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم. فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين) (آل عمران 58 - 63) ولهذا لما قدم وفد نجران وكانوا ستين راكباً يرجع أمرهم إلى أ{بعة عشر منهم ويؤول امر الجميع إلأى ثلاثة هم أشرافهم وساداتهم وهم: العاقب والسيد وأبو حارثة بن 'لقمة. فجعلوا يناظرون في أمر المسيح فأنزل الله صدر سورة آل عمران في ذلك وبين أمر المسيح وابتداء خلقه وخلق أمه من قبله وأمر رسوله بأن يباهلهم (المباهلة: أن يجتمع القوم، ويتداعوا ويستنزلوا لعنة الله على الكاذبين) إن لم يستجيبوا ويتبعوه فلما رأوا عينيها وأذنيها نكصوا وامتنعوا عن المباهلة وعدلوا إلى المسالمة والموادعة وقال قائلهم (وهو العاقب عبد المسيح): يا معشر النصارى لقد علمتتم أن محمداً لنبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبياً قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم وإنها للاستئصال منكم إن فعلتم فإن كنتم قد أبيتم إلا إلأف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فطلبوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه أن يضرب عليهم جزية وأن يبعث معهم رجلاً أميناً فبعث معهم أبا عببيدة بن الجراح. إن
الله تعالى بين أمر المسيح قال لرسوله: (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي
فيه يمترون) يعني: من أنه عبد مخلوق من امرأة من عباد الله ولهذا قال: (ما
كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) أي
لا يعجزه شيء ولا يكترثه ولا يؤوده بل هو القدير الفعال لما يشاء (إنما أمره
إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) وقوله: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن
يقول له كن فيكون) وقوله (إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) (آل
عمران51) هو من تمام كلام عيسى لهم في المهد أخبرهم أن الله ربه وربهم وإلهه
وإلههم وأن هذا هو الصراط المستقيم. قال الله تعالى: (فاختلف الأحزاب من بينهم
فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم) (مريم 37) أي فاختلف أهل ذلك الزمان ومن
بعدهم فيه فمن قائل من اليهود: إنه ولد زانية واستمروا على كفرهم وعنادهم.
وقابلهم آخرون في الكفر فقالوا: هو الله. وقال آخرون: هو ابن الله. وقال المؤمنون:
هو عبد الله ورسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. وهؤلاء هم
الناجون المثابون المؤيدون المنصورون ومن خالفهم في العظيم الحكيم بقوله (فويل
للذين كفروا من مشهد يوم عظيم).
|
© 2001 Copyright AlShamsi.Net ™ , All Rights Reserved.