| الصفحة الأولى
قال
الله تعالى في سورة آل عمران التي أنزل صدرها وهو ثلاث وثمانون آية منها في
الرد على النصارى. الذين زعموا أن لله ولداً، تعالى وتنزه عما يقولون علواً
كبيرا. وكان قد قدم وفد نجران منهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا
يذكرون ما هم عليه من الباطل فأنزل الله عزوجل صدر هذه السورة بين فيها أن
عيسى عبد من عباد الله خلقه وصوره في الرحم كما صور غيره من المخلوقات وأنه
خلقه من غير أب كما خلق آدم من غير أب ولا وأم وقال له: كن فكان، سبحانه وتعالى.
وبين أصل ميلاد أمه مريم وكيف كان من أمرها وكيف حملت بولدها عيسى وكذلك بسط
ذلك في سورة مريم. فقال تعالى وهو أصدق القائلين: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً
وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين. ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم.
إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني إنك أنت
السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت
وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم.
فتقبّلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً وكفّلها زكريا كلما دخل عليها
زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنّى لك هذا قالت هو من عند الله
إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) (آل عمران 33_37 )
يذكر
تعالى أنه اصطفى آدم عليه السلام والخلص من ذريته المتبعين شرعه الملازمين
طاعته ثم خصص فقال: (وآل إبراهيم) فدخل فيهم بنو إسماعيل وبنو إسحاق. ثم ذكر
فضل هذا البيت الطاهر الطيب وهم: آل عمران والمراد بعمران هذا: والد مريم
عليها السلام. وقال محمد بن إسحاق: وهو عمران بن باشم بن أمون بن ميشا بن
حزقيا بن أحريق بن موثم بن عزازيا بن أمصيا بن ياوش بن أحريهو بن يازم بن
يهفاشاط بن إيشا بن إيان بن رحبعام بن سليمان بن داود. وقال أبو القاسم بن
عساكر: مريم بنت عمران بن ماثان بن العازر بن اليود بن إخنر بن صادوق بن عيازوز
بن الياقيم بن أيبود بن زريابيل بن شالتال بن يوحينا بن برشا بن أمون بن ميشا
بن حزقا بن أحاز بن موثام بن عزريا بن يورام بن يوشافاط بن إيشا بن إيبا بن
رحبعام بن سليمان بن داود عليه السلام، وفيه مخالفة لما ذكره محمد بن إسحاق
ولا خلاف أنها من سلالة داود عليه السلام وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني
إسرائيل في زمانه وكانت أمها وهي حنة بنت فاقود بن قبيل من العابدات وكان
زكريا نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم أشياع في قول الجمهور وقيل: زوج خالتها
أشياع فالله أعلم.
ذكر
محمد بن اسحاق وغيره: أن أم مريم كانت لا تحبل فرأت يوماً طائراًيزق فرخاً
له فاشتهت الولد فنذرت لله إن حملت لتجعلن ولدها محرراً - أي حبيساً - في
خدمة بيت المقدس . قالوا: فحاضت من فورها فلما طهرت واقعها بعلها فحلمت بمريم
عليها السلام (فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت)
وقرئ بضم التاء (وليس الذكر كالأنثى) أي في خدمة بيت المقدس. وكانوا في ذلك
الزمان ينذرون لبيت المقدسخداماً من أولادهم. وقولها: (وإني سميتها مريم)
استدل به على تسمية المولود يوم يولد. وكما ثبت في الصحيحين عن أنس: في ذهابه
بأخيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحنك (دلك فمه) أخاه وسماه عبدالله.
وجاء في حديث الحسن عن سمرة مرفوعاً: (كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم
سابعه ويسمى ويحلق رأسه) رواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وجاء في بعض
ألفاظه: ويدمى بدل ويسمى وصححه بعضهم والله أعلم. وقولها (وإني أعيذها بك
وذريتها من الشيطان الرجيم) قد استجيب لها في هذا كلما تقبل منها نذرها.
قال
الإمام أحمد: عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مولود
إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها)
ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان
الرجيم) أخرجاه من حديث عبدالرزاق. ورواه ابن جرير عن أبي هريرة عن النبي
صلى الله عليه وسلم بنحوه. وقال أحمد أيضاً: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (كل مولود من بني آدم يمسه الشيطان بأصبعه إلا مريم بنت عمران
وابنها عيسى). تفرد به من هذا الوجه. ورواه مسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب
عن عمر بن الحارث عن أبي يونس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وقال أحمد: عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل إنسان تلده
أمه يلكزه الشيطان في حضينه إلا ما كان من مريم وابنها ألم تر إلى الصبي حين
يسقط كيف يصرخ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ذلك حين يلكزه الشيطان
بحضينه) وهذا شرط مسلم ولم يخرجه من هذا الوجه ورواه قيس عن الأعمش عن أبي
صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا
وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين إلا عيسى ابن مريم ومريم) ثم قرأ رسول الله:
(وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) ذكر كثير من المفسرين أن أمها
حين وضعتها لفتها في خروقها ثم خرجت بها إلى المسجد فسلمتها إلى العباد الذين
هم مقيمون فيه وكانت ابنة إمامهم وصاحب صلاتهم فتنازعوا فيها. والظاهر أنها
إنما سلمتها إليهم بعد رضاعها وكفالة مثلها في صغرها ثم لما دفعتها إليهم
تنازعوا في أيهم يكفلها؟ وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان وقد أراد أن يستبد
بها دونهم من جل أن زوجته أختها - أو خالتها - على القولين فشاحوه في ذلك
وطلبوا أن يقترع معهم فساعدته المقادير فخرجت قرعته عالبة لهم وذلك أن الخالة
بمنزلة الأم. قال الله تعالى: (وكفلها زكريا) أي بسبب غلبه لهم في القرعة
كما قال تعالى: (ذلك من أنباء الغيب ونوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم
أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون) (آل عمران 44) قالوا: وذلك أن كلاً
منهم ألقى قلمه معروفاً به ثم حملوها ووضعوها في موضع وأمروا غلاماً لم يبلغ
الحنث فأخرج واحداً منها وظهر قلم زكريا عليه السلام، فطلبوا أن يقترعوا مرة
ثانية وأن يكون ذلك بأن يلقوا أقلامهم في النهر فأيهم جرى قلمه على خلاف جريه
في الماء فهو الغالب ففعلوا فكان قلم زكريا هو الذي جرى على قلمه على خلاف
جرية الماء وسارت أقلامهم مع الماء ثم طلبوا منه أن يقترعوا ثالثة فايهم جرى
قلمه مع الماء وتكون البقية الأقلام انعكس سيرها صعداً فهو الغالب ففعلوا،
فكان زكريا هو الغالب لهم فكفلها إذ كان أحق بها شرعاً وقدراً لوجوه عديدة.
قال الله تعالى: (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم
أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) قال المفسرون:
اتخذ لها زكريا مكاناً شريفاً من المسجد لا يدخله سواه فكانت تعبد الله فيه
وتقوم بما يجب عليها من سدانة البيت إذا جاءت نوبتها وتقوم بالعبادة ليلها
ونهارها حتى صارت يضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل واشتهرت بما ظهر
عليها من الأحوال الكريمة والصفات الشريفة حتى أنه كان نبي الله زكريا كلما
دخل عليها موضع عبادتها يجد عندها رزقاً غريباً في غير أوانه، فكان يجد عندها
فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فيسألها: (أنى لك هذا) فتقول:
(هو من عند الله)، أي رزق رزقنيه الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.
طمع
زكريا في وجود ولد من صلبه وإن كان قد أسن وكبر (قال رب هب لي من لدنك ذرية
طيبة إنك سميع الدعاء) (آل عمران 38). قال بعضهم: قال: يا من يرزق مريم الثمر
في غير أوانه هب لي ولداً وإن كان في غير أوانه. (وإذ قالت الملائكة يا مريم
إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين. يا مريم اقنتي لربك واسجدي
واركعي مع الراكعين) (آل عمران 42 - 43).
يذكر
اللع تعالى أن الملائكة بشرت مريم باصطفاء الله لها من بين سائر نساء عالمي
زمانها بأن اختارها لايجاد ولد منها من غير أب، وبشرت بأن يكون نبياً شريفاً:
(يكلم الناس في المهد) أي في ضغره يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له
وكذلك في حال كهولته، فدل على أنه يبلغ الكهولة ويدعو إلى الله فيها وأمرت
بكثرة العبادة والقنوت والسجود والركوع لتكون أهلاً لهذه الكرامة ولتقوم بشكر
هذه النعمة فيقال: إنها كانت تقوم في الصلاة حتى تفطرت قدماها رضي الله عنها
ورحمها ورحم أمها وأباها فقول الملائكة (يا مريم إن الله اصطفاك) أي اختارك
واجتباك (وطهرك) أي من الأخلاق الرذيلة وأعطاك الصفات الجميلة (واصطفاك على
نساء العالمين) يحتمل أن يكون المراد عالمي زمانها كقوله لموسى: (إني اصطفيتك
على الناس)، وكقوله عن بني إسرائيل: (ولقد اخترناكم على علم على العالمين)
الدخان 32. ومعلوم أن إبراهيم عليه السلام أفضل موسى وأن محمداً صلى الله
عليه وسلم أفضل منهكا وكذلك هذه الأمة أفضل من سائر الأمم قبلها وأكثر عدداً
وأفضل علماً وأزكى عملاً من بني إسرائيل وغيرهم. ويحتمل أن يكون قوله: (واصطفاك
على نساء العالمين) محفوظ العموم فتكون أفضل نساء الدنيا ممن كان قبلها ووجد
بعدها، لأنها إن كانت نبية على قول من يقول بنبوتها ونبوة سارة أم إسحاق ونبوة
أم موسى محتجاً بكلام الملائكة والوحي إلى أم موسى. كما يزعم ذلك ابن حزم
وغيره. فلا يمتنع على هذا أن تكون مريم أفضل من سارة وأم موسى لعموم قوله:
(واصطفاك على نساء العالمين) إذ لم يعارض غيره. والله أعلم. وأما قول الجمهور
كما قد حكاه أبو الحسن الأشعري وغيره عن أهل السنة والجماعة: من أن النبوة
مختصة بالرجال وليس في النساء نبية فيكون أعلى مقامات مريم كما قال الله تعالى:
(ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة) المائدة 75.
فعلى هذا لا يمتنع أن تكون أفضل الصديقات المشهورات ممن كان قبلها وممن يكون
بعدها. والله أعلم. وقد جاء ذكرها مقروناً مع آسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد
وفاكمة بنت محمد رضي الله عنهن وأرضاهن.
عن
ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (خير نساء العالمين أربع:
مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد رسول
الله) وقال الامام أحمد: حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب
قال: كان أبو هريرة يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خير نساء ركبن
الإبل صالح نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرعاه لزوج في ذات يده) قال
أبو هريرة: ولم تركب مريم بعيراً قط. وقد رواه في صحيحه عن محمد بن رافع وعبد
ابن حميد كلاهما عن عبدالرزاق به. وقال أحمد: حدثنا زيد بن الجباب حدثني موسى
بن علي سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره، وأرأفه لزوج
على قلة ذات يده). قال أبو هريرة: وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
ابنة عمران لم تركب الابل. ولهذا الحديث طرق أخرى عن أبي هريرة. وقال أبة
يعلى الموصلي: حدثنا زهير حدثنا يونس بن محمد حدثنا داود بن أبي الفرات. عن
علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قال: خط رسول الله صلى الله عليه السلام
في الأرض أربع خطوط فقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم؟ فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت
محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون) رواه النسائي من طرق عن
داود أبي هند.
عن
جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حسبك منهن أربع
سيدات نساء العالمين: فاكمة بنت محمد وخديجة بنت خويلد وىسية بنت مزاحم ومريم
بنت عمران) وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا وهب بن منبه حدثنا خالد بن عبدالله
الواسطي عن محمد بن عمرو عن أبي مسلمة عن عائشة: أنها قالت لفاطمة: أرأيت
حين أكببت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكيت ثم ضحكت؟ قالت: أخبرني
أنه ميت من وجعه هذا فبكيت ثم أكببت (انحنيت) عليه فأخبرني أني أسرع أهله
لحوقاً به وإني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران فضحكت. وأصل هذ الحديثفي
الصحيح. وهذا إسناد على شرط مسلم وفيه: أنهما أفضل الاربع المذكورات. وهكذا
الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن محمد حدثنا جرير عن يزيد هو
ابن أبي زياد عن عبدالرحمن بن أبي نعيم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم (فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران)
إسناد حسن وصححه الترمذي ولم يخرجوه. وقد روى نحوه من حديث علي بن أبي طالب
ولكن في اسناده ضعف والمقصود: أن هذا يدل على أن مريم وفاطمة أفضل هذه الأربع.
ثم يحتمل الاستثناء أن تكون مريم أفضل من فاطمة ويحتمل أن يكون على السواء
في الفضيلة لكن ورد حديث أن صح عين الاحتمال الأول فقال الحافظ أبو قاسم بن
عساكرك أنبأنا أبو الحسن بن الفرا وأبو غالب وأبو عبدالله ابنا البنا قالوا:
أنبأناأو جعفر بن المسلمة أنبأنا أبو الطاهر المخلص حدثنا أحمد بن سليمان
حدثنا الزبير هو ابن بكار حدثنا محمد بن الحسن عن عبدالعزيز ابن محمد عن موسى
بن عقبة عن كريب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيدة
نساء أهل الجنة: مريم بنت عمران فاكمة ثم خديجة ثم آسيا امرأة فرعون) فإن
كان هذا اللفظ محفوطاً بثم التي للترتيب فهو مبين لأحد الاحتمالين اللذين
دل عليهما الاستثناء وتقدم على ما تقدم من الألفاظ التي وردت (بواو) العطف
التي لا تقتضي الترتيب ولا تنفيه. والله أعلم.
وقد
روي هذا الحديث أبو حاتم الرازي عن داود الجعفري عن عبدالعزيز بن محمد وهو
الدراوردي عن إبراهيم بن عقبة عن كريب عن ابن عباس مرفوعاً فذكره بواو العطف
لا بثم الترتيبية فخالفه إسناداً ومتناً فالله أعلم. فأما الحديث الذي رواه
ابن مردويه من حديث شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاث: مريم بنت
عمران آسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد. وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد
على سائر الطعام) وهكذا الحديث الذي رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن
شعبة عمرو بن مرة عن مرة الهمداني عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة
فرعون ومريم بنت عمران. وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)
فإنه حديث صحيح كما ترى اتفق الشيخان على إخراجه ولفظه يقتضي حصر الكمال في
النساء في مريم وآسية ولعل المراد بذلك في زمانهما فإن كلاً منهما كفلت
نبياً في حال صغره فآسية كفلت موسى الكليم ومريم كفلت ولدها عبدالله ورسوله،
فلا ينفي كمال غيرهما في هذه الأمة كخديجة وفاطمة. فخديجة خدمت رسول الله
صلى الله عليه وسلم قبل البعثة خمس عشرة سنة. وبعدها أزيد من عشر سنين وكانت
له وزير صدق بنفسها ومالها رضي الله عنها وأرضاها. وأما فاطمة بنت رسول الله
صلى الله عليه وسلم فإنها خصت بمزيد فضيلة على أخواتها لأنها أصيبت برسول
الله صلى الله عليه وسلم وبقية أخواتها متن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
أما
عائشة فإنها كانت أحب أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ولم يتزوج
بكراً غيرها ولا يعرف عن سائر النساء في هذه الأمة بل ولا في غيرها أعلم منها
ولا أفهم وقد غار الله لها حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فأنزل براءتها
من فوق سبع سماوات وقد عمرت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قريباً من خمسين
سنة (توفيت ليلة الثلاثاء 17 رمضان 58 هـ. وكان عمرها يوم ماتت 67 سنة ودفنت
بالبقيع ليلاً حسب وصيتها رضي الله عنها وعن أمهات المؤمنين) تبلغ عنه القرآن
والسنة وتفتي المسلمين وتصلح بين المختلفين وهي أشرف أمهات المؤمنين حتى خديجة
بنت خويلد أم البنات والبنين في قول طائفة من العلماء السابقين واللاحقين
والأحسم الوقف فيهما رضي الله عنهما وما ذاك إلا لأن قوله صلى الله عليه وسلم:
(وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) يحتمل أن يكون عاماً
بالنسبة للمذكورات وغيرهن ويحتمل أن يكون عاماً بالنسبة إلى ما عدا المذكورات.
والله أعلم.
والمقصود
ههنا: ذكر ما يعلق بمريم بنت عمران عليها السلام فإن الله طهرها واصطفاها
على نساء عالمي زمانها ويجوز أن يكون تفضيلها على النساء مطلقاً وقد ورد في
حديث: أنها تكون من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة هي آسية بنت
مزاحم. وقد ذكر عن بعض السلف: أنه قال ذلك واستأنس بقوله: ثيبات وأبكاراً.
قال: فالثيب آسية ومن الأبكار: مريم بنت عمران.
عن
سعد بن جنادة هو العوفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله
زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى). عن أبي أمامة قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشعرت أن الله زوجني مريم بنت عمران وآسية
بنت مزاحم وكلثم أخت موسى) رواه ابن جعفر العقيلي من حديث عبد النر به. وزاد
فقلت: هنيئاً لك يا رسول الله، قم قال العقيلي: وليس محفوظ. عن ابن أبي داود
قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خديجة وهي في مرضها الذي توفيت
فيه فقال لها: بالكره مني ما أرى منك يا خديجة وقد يجعل في الكره خيراً كثيراً
أما علمت أن الله قد زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران وكلثم أخت موسى وآسية
امرأة فرعون؟ قالت: وقد فعل الله بك ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم. قالت: بالرفاء
والبنين)، عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل
على خديجة وهي في مرض الموت فقال: يا خديجة إذا لقيت ضرائرك فأقرئهن مني السلام.
قالت: يا رسول الله وهل تزوجت قبلي؟ قال: لا ولكن الله زوجني مريم بنت عمران
وآسية بنت مزاحم وكلثم أخت موسى. عن ابن عمر قال: (نزل جبريل إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم بما أرسل به وجلس يحدث رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذ مرت خديجة فقال جبريل: من هذه يا محمد؟ قالك هذه صديقة أمتي. قال
جبريل: معي إليها رسالة من الرب عزوجل: يقرئها السلام ويبشرها ببيت في الجنة
من قصب بعيد من اللهب لا نصب فيه ولا صخب. قالت: الله السلام ومنه السلام
والسلام عليكما ورحمة الله وبركاته على رسول الله ما ما ذام البيت الذي من
قصب؟ قال: لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران وبيت آسية بنت مزاحم وهما أزواجي
يوم القيامة وأصل السلام على خديجة من الله وبشارتها ببيت في الجنة من قصب
لا صخب فيه ولا وصب. في الصحيح.
|