رحمك الله يا جدي

في قرية منازلها متواضعة ذات عمران قديم يعيش أهلها عيشة الرحب والسعادة، عيشة (البساطة)، أناسها طيبون، حدائقها السمراء ممتلئة بالنخيل الباسقات، تحمل أنواعاً من التمور ذات ألوان متعددة كأنها الجواهر والعقيق، وفي موسم الجني تتناقل أصوات الجناة وأناشيدهم بين هسهسات السعف، كان من بينهم جدي وهو شيخ يبدو كبيراً في السن ينتقل من نخلة إلى نخلة، حافي القدمين، عاري الساقين، يستجد بزنباله قامات النخيل المختالة بقنواتها المترنحة بفعل الهواء عليها، وبعد الجني يذهب إلى منزله المتواضع، ومن خلال فتحات الجدران الحجرية تهب رائحة البخور (العود الطيب)، وقد أعدت ربة البيت طعاماً يخمد لهب الجوع وماءً لتروي ظمأ زوجها القادم من وراء المعاناة، وتهيئ له القيلولة ليطفئ في رحابها مُرَّ يومه اللاهث، وأنفاس ساعاته المتعبة.

مضى زمن وجاء زمن .. انتقل الشيخ وعائلته إلى المدينة نتيجة النهضة العمرانية، بدأت علامات الشيخوخة تظهر عليه، أصبح يمشي بعكازتين خشبيتين، لا يفارق بيته إلا في أوقات الصلاة ذاهباً إلى المسجد، ومرت سنون وأعوام..

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا}

مرض جدي وأصبح لا يستطيع البتة الخروج من منزله، وما إن اشتد المرض عليه أصبحت زياراتنا له متكررة وكثيرة، رأيته على الفراش طريحاً هزيلاً، قد أنهك العمل قواه، وأصبح كالنبتة التي ذبلت ساقها بفعل لظى الشمس القاسي، كانت له نبرات لا تبدو واضحة بشكل جلي، تعبر عن ألم دفين بين أضلعه، أحسست بأن ذلك هو مرض الموت وأنه ينازعه، أخفيت ذلك في نفسي ولمتها على ذلك الإحساس لتعلقي الشديد بجدي، رأيته وكأن لسان حاله يقول :
 

ولقد رأيت الموت يبرق سيفه **** بيـد المنية حيث كنت حيـالي

ولقد رأيت عرى الحياة تخرمت **** ولقد تصدّى الوارثون لمالي

ولقد أقام لي المشيب نعاته **** يفضي إلـيّ بـمفـرق وقـــذال
 

عندها لم أستطع إخفاء دموعي وأجهشت بالبكاء، عدنا ذلك اليوم من زيارته، وصورته لم تفارق مخيلتي بل قد رسخت في ذاكرتي وهو طريح الفراش ويتردد على مسامعي قوله : (لا إله إلا الله) بصوت خافت، وكأنه بجانبي دائماً أينما كنت، مرت بضعة أيام، في يوم الاثنين السادس والعشرين من شهر جمادى الأولى من السنة الخامسة عشر بعد الألف والأربعمئة للهجرة، وصلنا نبأ وفاته، تلوت قول الله تعالى : {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.

أخفيت دموعي مراعاة لشعور والدتي من أثر الصدمة، لم تستطع البكاء في البداية فهو والدها، والوالد عزيز على ابنته، أسرعنا يومها إلى المدينة التي كان فيها، أصبح منزله مليئاً بالناس والعيون ملأى بالدموع تترد فيه عبارات العزاء والدعاء له بالرحمة، كان في وقت الاحتضار لا يقوى على الكلام، رافعاً إصبعه ناطقاً بها الشهادة لله، حمدت الله على بشائر حسن خاتمته، رحمك الله يا جدي وأسكنك فسيح جناته.

ما زال جدي في ذاكرتي، ابتسامته المشرقة .. لحيته البيضاء .. عكازته .. حذاؤه .. دعاؤه لي .. نبراته وهو يتألم .. كم كنت أحبه .. بل كم كان فراقه صعباً علي .. كيف أنساك يا جدي وحبي لك قد ملأ قلبي ؟!
 

يا من يعز علينا أن نفارقهم **** وجداننا لكل شيء بعدكم عدم
 

لم يبق في هذه الدنيا شيء، بل لن نأخذ شيئاً سوى العمل، سنكون وسنكون .. لا نعلم متى أجلنا، لم نؤمّن لآخرتنا مثلما أمّنا لمستقبلنا في الدنيا .. نشتري في الدنيا ما يقينا شدة الحر والبرد، ولم نعد ما يقينا حر جهنم وزمهريرها ؟! عند حدوث الأزمات نجمع الزاد خوفاًً من نفاده، ولم نجمع زاداً للآخرة، وخيره التقوى ..


لا تركنن الى الدنيا ومــــــــا فيها ..... فالدهر لا شك يفنيها ويفنينا
وأعمل لدار غدا رضوان خازنها ..... والجار أحمد والرحمن ناشيها
قصورها ذهب والمسك طينتها ..... والزعفران حشيش نابت فيها
 

الانس ثمرة الطاعة والمحبة .. فكل مطيع لله مستأنس .. وكل عاص لله مستوحش ..

 

مجموعة القصص الإسلامية

©1998 - 2004 Copyright AlShamsi.Net ™ , All Rights Reserved.