عندما حصلت على كسوة الكعبة

ورقة من ذكريات محمد العوضي


عندما فتح الرسول صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة، هدم الأصنام، ثم دخل الكعبة مع أسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، ورأى فيها صورة إبراهيم وإسماعيل- عليهما السلام- يستقسمان بالأزلام، فقال: قاتلهم الله، والله ما استقسما بها قط ، ورأى في الكعبة حمامة من عيدان، فكسرها بيده، وأمر بالصور فمُحيتْ, وأغلق الباب عليه، وعلى أسامة وبلال فاستقبل الجدار الذي يقابل الباب، حتى إذا كان بينه وبينه ثلاث أذرع وقف، وجعل عمودين عن يساره، وعموداً عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه- وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة- ثم صلى هناك ، ثم دار في البيت، وكبر في نواحيه، ووحد الله، ثم فتح الباب، وقريش قد ملأت الحرم صفوفاً ينتظرون ماذا يصنع؟ فأخذ بعضادتي الباب، ثم خطب فيهم خطبته المشهورة التي منها كلمته الخالدة (اذهبوا فأنتم الطلقاء) ، هذه نبذة مختصرة للذين سألوا ماذا كان داخل الكعبة يوم أن دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم. 

كسوة الكعبة 

ذكر المؤرخ الواقدي عن اسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة عن أبيه قال: كسي البيت في الجاهلية الانطاع (جمع نطع وهو ما يفرش على الأرض كالبساط، ويصنع من الجلد) ثم كساه رسول الله صلى الله عليه وسلم الثياب اليمانية، وكساه عمر وعثمان القباطي (جمع قبطية، وهو الثوب من ثياب مصر، رقيق أبيض) ثم كساه الحجاج الديباج، أما اليوم ففي مكة المكرمة مصنع خاص بكسوة الكعبة وكسوتها من الحرير والكتابة بخيوط الذهب، كان عمر بن الخطاب ينزع ثياب الكعبة في كل سنة، فيقسمها على الحجاج فيستظلون بها على السّمُر (نوع من الشجر) بمكة. 

رجاءات عبدالجبار 

ما إن علم الناس بذهابي إلى مكة المكرمة للمشاركة بغسل الكعبة حتى قالوا: لا تنسنا من قطعة ولو صغيرة من ستارة الكعبة، وفي يوم السفر كان عندي بنّاء يصلح بعض شؤون المنزل اسمه عبدالجبار الباكستاني، وعندما عرف بالخبر، تحول إلى طفل صغير وديع يتودد ويكرر الرجاء ويعيد، أرجوك أحضرلي ولو قطعة صغيرة من قماش الكعبة، قلت له: أنا لا أدري إن كنت سأحصل عليها، ولكن سآتي لك بماء زمزم، قال: أريد قماش الكعبة لأمي وأبي وقد حجا ست مرات وشبعا من زمزم، ولكن نريد من كسوة الكعبة. عبدالجبار لا يصلي ونصحته كثيراً، ولكنه مستمر في معصيته وله تبريرات كثيرة لا معنى لها، قلت له يا عبدالجبار قماش الكعبة عبارة عن (ذكرى) وصلاة ركعتين أولى منه وأنت تارك صلاة الفرض سامحك الله، الذي أريد أن أقوله: ان كثيراً من المسلمين في العصور الأخيرة أخذوا يهتمون بما لم يوجبه الله عليهم وببعض الآثار ويفرطون في الواجبات الشرعية، وسلوكهم مع الناس متدهور، ومفاهيمهم عن الاسلام مرتبكة، اننا في حاجة إلى إعادة صياغة شخصية المسلم ومعرفة الأولويات الشرعية، ووضع الآثار الإسلامية في موقعها الصحيح. 

كرم الوكيل 

منذ فترة وأنا أسمع الناس يشكرون في أخلاق وكيل إمارة مكة المكرمة، الأستاذ عبدالله بن داود الفايز، منذ أن كان وكيلاً في المدينة المنورة، وقبل أن نلتقي بالوكيل سألت الزميل كامل جمعة
الذي كان يرافقنا من الإمارة، الناس مرتاحون من الوكيل ويثنون عليه، فقال: سترون مصداقية كلام الناس بأعينكم، وفعلاً، رأينا ما هو خير من السماع، التواضع الجم، والخلق الرفيع، الذي جعلنا نُحرج مع كرمه وقيامه بخدمة ضيوفه بنفسه، ترحيب ما بعده ترحيب، وجمعنا في وليمة مع أخيار أهل مكة، أئمة الحرم المكي د.صالح بن حميد والشيخ أسامة الخياط وغيرهما من الأفاضل (ولا أزكي على الله أحداً) ولكن أذكر هذا من باب الدعوة إلى أهمية تقلد الأخيار المناصب الحساسة وأثر الشيم والأخلاق التي يتمتعون بها على سمعة الجهة ونفسيات الناس، ومكة المكرمة من أولى البقاع بمثل هؤلاء الذين نتمنى أن يوفقهم الله على حمل الأمانة. 

هدية الكسوة 

وأوصل لنا الوكيل عبدالله الفايز هدية أمير مكة عبدالمجيد بن عبدالعزيز، وهي عبارة عن مغلف  فيه مصحف وقطعة من كسوة الكعبة، كانت فرحة كبيرة، وبدوري أهديتها للوالدة، وأعتذر لجميع الطالبين، والدكتور طارق السويدان أخذ هو مع ولديه نفس الهدية فعنده ثلاث فعليكم به، في الطائرة كان بجواري الدكتور نجيب الرفاعي، وطلب مني أحد المعاقين اسمه (حسن جمشير) التقاط صورة، قلت له احراج أمام الناس، قال الرفاعي روح صور وإياه، قال حسن انت غسلت الكعبة الصورة معاك شرف، قلت الشرف في طاعة الله. 

أمس بعد صلاة الجمعة وعلى باب المسجد رآني أمين سر جمعية الصحافيين فيصل القناعي فقال (مداعباً) تعال نتمسح فيك انت دخلت الكعبة.

أيها المسلمون لعل رجلاً فقيراً وأمياً لم يحج ولم يعتمر أقرب إلى الله وأحب من ملايين الدعاة والمشايخ وليست العبرة بالدعاية وإنما بالاستقامة والتوفيق ..
 

 مقتطفات إسلامية

الزاوية الإسلامية

©1998 - 2004 Copyright AlShamsi.Net ™ , All Rights Reserved.