|
في الطريق من المستشفى
إلى منزله، أخذ يفكر في الخادمة الأندونيسية الجديدة تفكيراً شيطانياً عميقاً حتى
تمثلت أمامه، إنها على قدر معقول من الجمال، وتشعره طريقة مشيتها وانحنائها بأنها
لن تمانع في إغوائها، وحتى لو تمنعت فإنه سينال منها لأنه ضخم الجثة ولا يزال في
فورة شبابه رغم تجاوزه الخامسة والأربعين، سيتخذها صاحبة في المنزل - ويا لها من
صاحبة - سينتهز أي فرصة للانقضاض عليها.
سرح بخياله فيها، وفي الخطوات التي عليه إتباعها، وفي كل الفرضيات الممكنة، وضع لكل
فرضية نتيجة، ولكل نتيجة موقف يتخذه في الحال، بحيث لا يفاجأ بفرضية لم تكن في
الحسبان، فيرتبك ويكتشف أمره.
تذكر زوجته الراقدة في المستشفى لتضع مولودها السادس، فضحك بخبث ومجون وقال في نفسه
ساخراً: حمداً لله الذي كلما رزقني بمولود تيسر أمر انفلاتي من زوجتي، فهي إما
راقدة في المستشفى أو مشغولة بالمولود الجديد. رفع طرفه نحو السماء وقال: حكمة
بالغة من رب كريم. ثم ضرب بيديه على المقود وزاد من سرعة السيارة. عرج على أحد
الفنادق واحتسى كمية من الخمر حتى يتسلح بشجاعة وقوة تعينه على ما ينوي فعله.
أوقف السيارة خارج الفيلا حتى لا يوقظ هدير محركها أبناءه النائمين في هذه الساعة
المتأخرة من الليل، فتح باب الفيلا بهدوء، معتمداً على ضوء القمر الخافت المنبعث من
النوافذ، وخلع كندورته وغترته وعقاله ووضعها جميعاً على الأريكة في صالة البيت،
وبقي بالإزار والقميص.
أثناء صعوده إلى
الطابق العلوي لَمَحَ صورة العائلة المثبتة على الجدار المحاذي للدرج، فشعر بحقارته
وخسته لكنه اعتذر لنفسه بأنه أب عطوف وزوج كريم ولا يهم بعد ذلك ما يصنع، تسلل إلى
الطابق العلوي وهو يمشي على أطراف أصابعه، لكن الظلام كان دامساً، فلا نوافذ في
الممر ولا ضياء قادم من الخارج، فتشابكت قدماه بسلك الهاتف الموضوع على منضدة صغيرة
في الممر، وسقط الهاتف مصدراً صوتاً مزعجاً، تسمَّر في مكانه هنيهة وتنهد بحنق
قائلاً في نفسه: أتمنى لو أنها تنتظرني... آه... ماذا لو فَعَلتْ مثلما فَعَلتْ
الخادمة السابقة؟... لقد امتنعت عني وصدتني... وظلَّت تبتزني إلى أن انتهت مدة
عملها... كلا... كلا... هذه الخادمة تشعّ نظراتها بالرغبة... وهي متلهفة لي كما أنا
متلهف لها.
وقف خلف باب غرفة الخادمة وأخذ قلبه يدق بسرعة وكادت روحه تفلت من بين أضلاعه من
شدة الخوف، فتماسك وشرع في فتح الباب، لكنه تخاذل في اللحظة الأخيرة، وقال في نفسه:
لو أنني احتسيت كمية أكبر من الخمر لما تخاذلت وجبنت هكذا.
حكَّ رقبته بيده وزفر في ضيق ولوعة، مشى بضع خطوات هادئة نحو غرفة ابنته الكبرى، ثم
اقترب وألصق أذنه على الباب ليتأكد من نومها، وتذكر أنها مشغولة هذه الأيام بتجهيز
نفسها لحفل الزفاف، ولابد أنها مرهقة من التجول في الأسواق مع خطيبها، ومشى نحو
غرفة ابنتيه الصغيرتين فلم يسمع شيئاً، ثم تابع نحو غرفة ولديه الصغيرين فلم يسمع
شيئاً أيضاً، صمَّم على المضي في خطته، واتجه صوب غرفة الخادمة مرة أخرى وأخذ يتلفت
في كل مكان كالمجنون، أمسك مقبض الباب بيدين مرتعشتين، وتخيلها بين أحضانه بعد
قليل، فسرت في جسمه قشعريرة غريبة، وتصبب عرقاً وأحس بجفاف في حلقه، فتح الباب
بهدوء وتسلل إلى الغرفة وأغلق الباب، وقف هنيهة لا يدري ما يفعل، وراح قلبه يدق
بشدة، لكن إغواء الشيطان كان أشد من كل شيء، فخطى بضع خطوات في الظلام، واتجه صوب
السرير، فرآها تغط في نوم عميق، فلوح بيديه أمام وجهها ليتأكد من نومها، فلما تيقن
من الفريسة جثم عليها كالوحش وقبض بسرعة على فمها ليمنعها من الصراخ والاستغاثة،
وضغط بيده الأخرى على يديها الاثنتين اللتين رفعهما بسرعة فوق رأسها، فتمكن من
السيطرة عليها، لكنها كانت تقاومه بشدة كأنها لبوة تدافع عن جروها، وراح يقبِّلها
بشراهة وعنف في صدرها ونحرها ورقبتها، وأسكرته رائحتها العطرة فوق ما أسكره الخمر،
وظلت تقاومه وهو يزيد من قوة اندفاعه وشراهته، ثم تيقن بأنه لن يحصل منها على شيء،
ففكر في التراجع ولكن شهوته أبت التراجع، وظل برهة لا يعرف ما يفعل، وبدأ الندم
يتسرب إلى قلبه، فقد اكتشفته الخادمة ولم يحصل منها على شيء وستُعلم الناس بأمره
معها، وهي لا تزال تقاومه بشدة وتنتحب، وفجأة انبعث ضوء خافت في الغرفة، فالتفت على
عجل إلى الخلف، رأى الضوء ينبعث من أسفل الباب، فعلم أن أحدهم قد أضاء مصباح الممر،
زفر بضيق وألم لأنه افتضح أمام أبنائه في هذه الساعة، وأمرها بالسكوت وهو يهمُّ
بالنهوض من عليها، فسكتت لكنها كانت تئن تحت الغطاء بصمت وخوف. شعر بأن ساعة الصفر
قد حانت، فأخذ يفكر في شخصية القادم، فتمنى أن يكون أحد ولديه، لكنه خشي عليهما من
ردة الفعل وأثر هذه الجناية عليهما مستقبلاً، ثم تمنى أن تكون إحدى ابنتيه
الصغيرتين، فهما صغيرتان ولن تشكا كثيراً في وجوده في غرفة الخادمة، ولكن حتماً
ستخبران جميع أهل البيت بما رأتاه بداعي الفضول، وستكبر دائرة الفضيحة، ثم تمنى
أنها ابنته الكبرى، نعم... إنها ستكتم أمره وسيعتذر لها بأن والدتها في المستشفى
وهو رجل كباقي الرجال والشيطان يكيد في مثل هذه المواقف، وما هي إلا بضع أيام وتصير
إلى بيت زوجها وتنسى الحادث كأن شيئاً لم يحدث خاصة وأنه سيطرد هذه الملعونة من
البيت في صباح الغد. وثب من مكانه يبغي الاختفاء خلف باب الغرفة، لكن القادم لم
يمهله حتى يستر نفسه، وفتح الباب بشدة، وأضاء المصباح، فانبهرت عيناه للحظة بفعل
قوة سطوع النور، لكنه تسمَّر في مكانه، ودارت به الدنيا، وأحس كأن صفعة إلهية هائلة
لطمته على وجهه، فقد كان القادم هي الخادمة.
اتمنا أن لا نكون أطلنا عليكم .... هذي القصة تحكي عن الخدم بين السندان والمطرقة
المظلومة والظالمة ... ولكن هنا كانت مظلومة ..
بقلم الكاتب الإماراتي : أحمد أميري
|