نهاية لعبة القمار

أمسك فؤاد القلم بيد مرتجفة ووقّع على سند بيع المصنع. قبل قليل خسر كل ما يحمله من أموال على المائدة الخضراء وعرض مصنعه للبيع فقرر أحد اللاعبين شراءه فوراً، وحينما نصحه الشاب المكلف حماية الشقة بالانسحاب نهره بنبرة عدائية، وضحك صاحب الشقة الجالس وراء نرجيلته وتمنى على فؤاد أن لا يبيع بعد قليل مزرعته أو بيته.
الليل مازال في بداياته وفؤاد متفائل كما يبدو وهو يغامر بإلقاء أوراق اللعب والمراهنة على مبالغ كبيرة. ولم ينتبه إلى صاحب الشقة وهو يشير بطريقة جانبية إلى اللاعب سعيد بالتمهل والتريث لكي لا ينكشف تواطؤه مع اللاعب الجالس في مواجهته، لأن فؤاداً بدأ يتعرض لخسائر متتابعة مما سيكشف المؤامرة حتماً. ولكن سعيداً استمر في لعبته متجاهلاً نصيحة صاحب الشقة، ومستغلاً اندفاع فؤاد في اللعب.
ووقف نزار في مواجهة سعيد مشيراً الى أنه يريد حصته في النهاية، وإلا سيخبر فؤاداً بالمؤامرة التي تحاك حوله، فأومأ سعيد موافقاً وهو يخفي تذمره وضيقه من هذا الشاب الانتهازي.
وفي وقت متأخر من الليل، بدأ فؤاد يشعر بالوهن، ولم تسعفه يده في حمل ما تبقى من المال ليضعه أمامه على المائدة الخضراء. وتوقف قليلاً وهو يحرّك يده في الفضاء، وأعلن انسحابه متذرعاً بحظه السيئ وتعب يده، وحمل الرزمة الصغيرة المتبقية من قيمة مصنعه ونهض متثاقلاً وهو يحاول إخفاء ملامحه المتجهمة لكي لا يكشف ضيقه من الوقوع في الخسارة المالية.
فور مغادرة فؤاد المكان، بدأ سعيد يتقاسم المبلغ الضخم مع اللاعبين الآخرين. فتقدّم صاحب الشقة وطالب بحصته الإضافية، كما تقدّم حارس الشقة نزار، وطالب بحصته أيضاً. إلا ان سعيداً بدا غير مبال بما يطالب به نزار، بينما ألقى باتجاه صاحب الشقة رزمة مالية وعاد لتقسيم المبلغ مع شريكيه، فحمل كل منهم نصيبه، وهمّ الجميع بالمغادرة، وهم يتضاحكون متباهين بانتصارهم على فؤاد وتجريده من أمواله ومصنعه.
وأظهر نزار حزنه الشديد، فمنحه صاحب الشقة عدة قطع مالية، فأخذها ودسها في جيبه وابتسم ثم انسحب نحو الغرفة المجاورة، وبينما اللاعبون يودعون صاحب الشقة بابتسامات واسعة، خرج هو من الغرفة راكضاً ويحمل في يديه الكلاشنكوف وطالب الجميع بالانبطاح أرضاً وصرخ صاحب الشقة معترضاً، فتلقى من قدم نزار ركلة سريعة أودت به إلى الأرض، فامتثل الجميع لأوامره بإفراغ جيوبهم من الأموال. وبالفعل اخرجوا كل ما بحوزتهم من مال، وصرخ في سعيد مطالباً بعقد شراء مصنع فؤاد ثم قاد صاحب الشقة الى الخزانة الحديدية وأجبره على اخراج كل أمواله التي ربحها من اللاعبين في الشهور السابقة.
حين تكدست رزم المال أمام نزار، وضعها في حقيبة جلدية كبيرة، ثم حمل عقد شراء المصنع ودسه في جيبه. وسأله سعيد لماذا يريد هذا العقد بعدما أصبح يملك كل هذه الأموال، فأكد نزار بأنه يريد إنقاذ فؤاد من الهلاك المالي لأنه لا يملك سوى هذا المصنع، وسيصبح مفلساً بينما قيمة مزرعته وبيته لا تتيح له أن يفتتح مشروعاً جديداً، ولذلك سيعيد إليه هذا العقد لأنه خسر قيمته بطريقة احتيالية واضحة، فصرخ مسعود صاحب الشقة متهماً نزار بالجهل لأن فؤاد يملك عدة مصانع ولم يتنازل عن مصنع الجوارب ويلعب القمار بقيمته إلا لأنه كان يفكر ببيعه منذ فترة بعدما عرّضه لخسائر متتابعة، لكن نزاراً أصر على أخذ عقد البيع وتقدّم من سعيد وأخرجه من جيبه وهمّ بالتراجع حينما لاحظ أنه أثناء انشغال نزار بوضع الأموال داخل الحقيبة حاول مسعود إخراج مسدس من جيبه إلا أن نزاراً لمحه في اللحظة الأخيرة فأطاح بالمسدس من يديه بركله قوية ثم أعاد ركله في رأسه عدة مرات وهو يوجه إليه الشتائم ويتهمه بإذلاله طيلة فترة عمله في شقة القمار.
وحمل نزار المسدس، وأفرغ البندقية الروسية من رصاصاتها وألقاها فوق اللاعبين المنبطحين على الأرض، وحمل الحقيبة وهرول باتجاه باب الشقة.
في الطريق إلى محطة السفر قرر أن يمر على بيت فؤاد لينهي المهمة الأخيرة. لن يتأخر عن السفر كثيراً لأنه سيظل في منطقة شرق المدينة، وسيتابع بعدها طريقه إلى المحطة ليسافر إلى البلد المجاور. هذا الرجل يملك مصانع عديدة، ويخسر أموالاً كثيرة على مائدة القمار، ويجب أن يقابله فوراً ليستفيد من الفرصة المتاحة وينفّذ المهمة الأخيرة قبل الهجرة النهائية ودخول مرحلة الثراء المالي.
وعندما طرق نزار باب منزل فؤاد، خرجت خادمة صغيرة وهي تزيل عن وجهها آثار النوم. أعلمها أنه يريد فؤاداً لأمر ضروري، فدعته للدخول وبعد فترة قصيرة ظهر فؤاد مستغرباً فأخبره انه أعاد إليه عقد بيع مصنع الجوارب، فابتسم فؤاد وسأله كيف حصل عليه؟ فقدّمه إليه مؤكداً بأن الأمر تم بالقوة، وحينما حاول فؤاد أخذ العقد أبعده نزار عنه وطالبه بمبلغ نصف مليون ليرة لأنه بحاجة إليها، فنهره فؤاد بنبرة قاسية فما كان من نزار إلا أن أخرج المسدس ووجهه باتجاهه مهدداً إياه بإحضار المال فوراً، فاقترب فؤاد من الخزانة الحديدية وحمل عدة رزم مالية وألقاها أمام نزار راضخاً، فحملها نزار وهرول باتجاه الباب وهو يؤشر بإصبعه إلى العقد الذي وضعه فوق طاولة قريبة.
في السيارة المتجهة إلى خارج الحدود، شعر نزار بالاطمئنان والراحة، لأنه أصبح من الأثرياء، وسيعرف كيف يفتتح مشاريعه التجارية. سيحقق حلمه بسرعة، وينهي علاقته السابقة بالفقر والخنوع والذل المهين. وعند الحدود توقفت السيارة، وأخرج المسافرون بطاقاتهم الشخصية ورغم أن نزاراً شعر بشيء من الرهبة فإنه كان مضطراً لتقديم بطاقته إلى السائق، وجلس مع المسافرين ينتظر إنهاء معاملات المغادرة. بعد قليل ظهر السائق من باب بناء الأمن العام، بينما كان وراءه رجال من أمن الحدود، فنظر إليهم بتوجس وارتياب وهمّ بمغادرة السيارة، فأشار السائق بيده نحوه، وهنا هرع رجال الأمن وطوقوه بسرعة، بينما أشهر أحدهم مسدسه وصوّبه نحوه وهو يوجه إليه الاتهام بقتل مسعود في شقته، فأصيب نزار بدهشة شديدة مؤكدا انه لم يقتله، لكن أحد رجال الأمن كشف له ان ضربات حذائه فوق رأسه أصابته بنزيف داخلي في الدماغ مما أودى بحياته بعد مرور وقت قصير، فأيقن نزار انه أصبح مجرماً من دون أن يقصد !!

نقلاً عن جريدة الخليج الإماراتية

 

عين على الحياة

موقع الشامسي
 

©1998 - 2004 Copyright AlShamsi.Net ™ , All Rights Reserved.