|
|
حكاية بنت جنين |
| " فكرة
القصة من أحداث
مخيم جنين عام
2002 و الجرائم المرتكبة
من قبل الاحتلال
الصهيوني" .. بداية
.. إلى كل من يقرأ
هذه القصة أقول
.. إن أظلتك القصور
و الظلال الوارفة
.. و تقلبت في الحقول
الواسعة .. و لم
يكن يقيد حريتك
شيء فتذكر حينها
إنك إن تكن حراً
بأنا لم نزل
أسرى .. طالما
مسجدنا الأقصى
أسير ..أسرى طالما
جراحنا تنزف
..
حكاية بنت جنين على مرأى و مسمع من العالم أمام الشاشة كنت أراقب الحدث فلم أتحمل و رجلاي لم تحملاني جثمت على ركبتي .. حزينة .. متألمة باكية حينما كان ذلك الخبر ..أنها و دون خوف أحاطت نفسها بطوق من المتفجرات غير مبالية بشيء صعدت معهم على ظهر تلك الحافلة بين أولئك الوحوش .. و فجأة سمع صوت انفجار و إذا بالنيران تتصاعد و لم يسمع شهود عيان سوى عبارة واحدة تتصاعد من وسط تلك النيران" فزت و رب الكعبة ".. و صعدت روحها إلى السماء تعانق الفردوس و لكن القصة لم تكن لتبدأ هكذا .. منذ ذلك اللقاء الأول بيننا أيقنت أنها فتاة غير عادية ، تعرفت عليها عبر صديقتي سلمى في المدرسة ، لما رأيتها لأول مرة و صافحتها رأيت شرارة العزم تتوقد من تلك العينين و شعرت بدفء تلك اليد و إذا بقشعريرة تسري في أوصالي و لم أشعر بنفسي إلا و أنا أقول لها : يد ما أطيبها .. فأجابتني التاريخ لا يكتب إلا بسواعد الأقوياء !! - ماذا تعنين بعبارتك؟ - ثم ترددت قائلة لا شيء .. لا شيء أردت أن أصر عليها ماذا تعني بعبارتها ، ثم التفت خلفي إثر مناداة إحدى الصديقات لي فوجدت نضال قد تركت المكان - نعم نضال هذا هو اسمها - كم سمعت عنها أنها فتاة غريبة الأطوار و لكن لم أكترث فعبارتها شغلتني كثيراً فطلبت من سلمى أن تجمعنا في لقاء فاجتمعنا في اليوم التالي في ساحة المدرسة نحن الثلاثة، لاحظت عليها هدوءاً ملفتاً للنظر .. أهو الهدوء الذي يسبق العاصفة؟! .. لا تتكلم فبدأت بالحديث .. كم جميلة هي الحياة .. عندما .. فقاطعت حديثي قائلةً.. جميلة!.. و نحن نبصر السحب السوداء تغشى أعيننا .. و الظلم و الدمار و القتل و أنهار من الدماء تنهار في كل مكان .. أي جمال هذا و الكون قد أضحى في سبات فلم أصدق أذني .. ظلم .. دمار .. قتل .. كيف خرجت تلك الكلمات من فتاة بمثل تلك الرقة في الحقيقة كنت حديثة العهد بها .. فقاطعت سلمى حديثها قائلة أنت دائماً هكذا يا نضال كلماتك تدخل الرعب في القلوب .. لا أدري متى ستتغير هذه العادة لديك و تكونين أكثر رقة في إخراج الكلمات .. فقلت يا سلمى لم أر شخصاً بمثل رقتها و هدوئها .. سلمى تضحك : أرجوك لا تمزحي أنت لا تعرفينها أستطيع أن أسمعك الشريط المسجل من عباراتها التي أسمعها منها " أجمل خيوط أشعة الشمس من يجاهد ليخترق طريقه بين السحاب " و التاريخ لا يكتب إلا بسواعد الأقوياء .. و غيرها الكثير من العبارات .. فإذا بها العبارة ذاتها تتكرر.. - ما سرها يا نضال؟ أراك تكررين هذه العبارة أمام الجميع .. - صديقتي تذكري أننا نحن من نصنع التاريخ بأيدينا بالطريقة التي نريد و بقدر ما نبذل من جهد خارق و بعد حوار طويل دار بيننا لا أظنني وصلت إلى شيء غير أن تساؤلاتي كثرت عن تلك الإنسانة و لكنها بكلماتها استطاعت أن تفعل الكثير في قلبي .. انصرفت نضال و سلمى و بقيت في المكان فرأيت ورقة أظن أنها وقعت من إحديهما لا أدري ما الذي دفعني إلى فتح شيء ليس ملكي؟ قرأت الورقة و كانت تحوي هذه الكلمات .. أبي الحبيب. . في المعتقل " علمتني بأنه ليس أقوى من الذي يدافع من أجل قضية و هدف .. و نحن أصحاب أعظم قضية على وجه الأرض و نحمل أجل رسالة و لا بد يوماً أن ينجلي الليل الطويل .. و تشرق شمس الأمل، و كما تعلم نحن لا نموت حبا في الموت .. و لكننا نستشهد حباً في الحياة .. ابنتك نضال .. شعرت برعشة في جسدي .. معتقل .. قضية .. هدف .. لم أعد أفهم شيئاً .. تضاربت الأفكار عندي أصبحت مشاعري كالأمواج المتلاطمة، ثم أبصرت نضال تجري مسرعة نحوي فأعدت الرسالة إلى مكانها و عدت إلى فصلي أراقب فرأيتها تخبئ الرسالة. مرت الأيام تباعاً و أراني قد ازددت إعجاباً بتلك الشخصية الفذة .. و في اليوم الذي صادف استشهاد البطل محمد الدرة و الكل متأثر بهذه الحادثة المؤلمة جاءت نضال إلى المدرسة، رأيت عينيها كأنها كانت تبكي حتى كاد يصيبها العمى لم نستطع أن نخفف عنها لم نكن ندري سر هذا البكاء..؟ ثم صرخت قائلة بئس ابنة الإسلام أنا إن رضيت بالذل و الهوان .. و غيري .. قد ابتغى الجنان .. كلنا رأينا الألم و الحزن و كل مشاعر الأسى في عينيها ، و منذ تلك الكلمات التي صرخت بها شعرت أنها كانت تهيئ نفسها لشيء عظيم لا يسعى إليه إلا أصحاب الهمم الشامخة ، مر عام على تلك الحادثة و في اليوم الذي ذهبت فيه لزيارتها و لأول مرة كنت قد قررت بأن أصارحها بموضوع تلك الرسالة ، و لما ذهبت فتح لي عمها و رحب بي أجل الترحيب .. بيت متواضع و عائلة متواضعة .. و لكن لم أكن أدري أنها تقطن مع عمها إلا ساعة الزيارة عندما قلت لذلك الرجل الضعيف البنية : - مرحبا بك يا عم من تكون؟ - أنا عمها تفضلي يا ابنتي هي بانتظارك في حجرتها لما دخلت حجرتها كدت أقع من هول المفاجأة الكثير من الصور المعلقة على الحائط في كل جهة من الحجرة صور لحقائق و أناس أعرفهم .. هناك في الزاوية صورة محمد الدرة .. وهنا صورة الشهيدة الصغيرة إيمان حجو .. و لكن ما أحزن قلبي .. أثار شجوني حينما رأيت صورة المسجد الأقصى معلقا على الحائط مكتوب على تلك الصورة .. كيف نبتسم و المسجد الأقصى أسير ؟! تعطلت لغة الكلام لدي .. تلك اللحظة فقط أدركت ما خفي علي خلال تلك السنوات .. و برقة وضعت يدها على كتفي و قالت .. قد مضى زمن النوم يا صديقتي .. قد آن الأوان .. لأن أعود .. تعودين .. إلى أين ؟ إلى الوطن حيث ولدت هناك في المخيم لم أعد أستطيع الانتظار أريد العودة أشعر و كأن أبي بناديني ... قلت كيف .. بين الدمار .. و الدم .. و القتل .. لا لن أدعك فقالت يا صديقتي ألا موت يباع فأشتريه .. فهذا العيش ما لا خير فيه .. عذرا صديقتي لا أستطيع العيش في حياة أشعر أنني مقيدة فيها ... و كان ذلك اللقاء الأخير بيننا .. عادت إلى وطنها وقبل استشهادها بيومين اتصلت تذكرني بعبارتها " لا تنسي بأن التاريخ لا يكتب إلا بسواعد الأقوياء و نحن أصحاب هدف و غاية " و بعد تلك المكالمة و في ذلك اليوم على مرأى و مسمع من العالم سمعنا أنها قد ألقت بنفسها بين حطام النار .. و لهيب الجحيم .. أي شجاعة كانت تحمل و أي حب للاستشهاد كان مزروعا بداخلها .. قال شهود عيان بأنهم لم يسمعوا سوى عبارة واحدة تتصاعد من بين تلك النيران الملتهبة " فزت ورب الكعبة " و كانت تلك الحادثة بداية النهاية !! همسة .. سيتكفل
التاريخ بصياغة
تلك البطولات
بأحرف من نور
على صفحاتها
عبر الزمان
.. ليس بقدر ما
يريد لها الكتاب
و الواصفون ..
و إنما بقدر ما
يريد لها أصحابها
و بقدر ما بذلوا
من جهد خارق مبرر
.. للوصول إلى
هذا القدر من
العظمة و الشجاعة
..
|
©1998 - 2001 Copyright AlShamsi.Net ™ , All Rights Reserved.