|
|
في غرفة الأحزان |
|
يقول أحدهم : كان لي صديق أحبه لفضله وأدبه ، وكان يروقني منظره، ويؤنسني محضره ، قضيت في صحبته عهدا طويلا، ما أنكر من أمره ولا ينكر من أمري شيئا حتى سافرت وتراسلنا حينا ثم انقطعت بيننا العلاقات ورجعت وجعلت أكبر همي أن أراه لما بيني وبينه من صلة ، وطلبته في جميع المواطن التي كنت ألقاه فيها فلم أجد له أثرا، وذهبت إلى منزله فحدثني جيرانه أنه انتقل منذ عهد بعيد .. وقفت بين اليأس والرجاء بغالب ظني أني لن أراه بعد ذلك اليوم، وأني قد فقدت ذلك الرجل .. وبينما أنا عائد إلى منزلي في ليلة من الليالي دفعني جهلي بالطريق في الظلام إلى سلوك طريق موحش مهجور يخيل للناظر فيه أنه مسكن للجان إذ لا وجود للإنس فيه .. فشعرت كأني أخوض في بحر، وكأن أمواجه تقبل بي وتدبر، فما توسطت الشارع حتى سمعت في منزل من تلك المنازل أنة تتردد في جوف الليل، ثم تلتها أختها .. فأثر في نفس هذا الأنين وقلت في نفسي يا للعجب كم يكتم هذا الليل من أسرار؟ وكنت
قد عاهدت الله
أن لا أرى حزينا
إلا وساعدته،
فتلمست الطريق
إلى ذلك المنزل،
وطرقت الباب
طرقا خفيفا،
ثم طرقته طرقا
أكثر قوة، وإذا
بالباب يفتح
من قبل فتاة
صغيرة .. فتأملتها
وإذا في يدها
مصباح ، وعليها
ثياب ممزقة،
وقلت لها هل عندكم
مريض ؟ فزفرت
زفرة كادت تقطع
نياط
منذ سنين
كنت أسكن أنا
ووالدتي بيتا
، ويسكن بجوارنا
رجل من أهل الثراء،
وكان قصره يضم
بين جنباته فتاة
جميلة ألم بنفسي
من الوجد والشوق
إليها ما لم
أستطع معه صبرا
.. ومازلت أتابعها
وأعالج أمرها
حتى أوقعتها
في شباكي، وأتى
في قلبها ما
أتى إلى قلبي،
وعثرت عليها
في لحظة من الغفلة
عن الله بعد أن
وعدتها بالزواج
فاستجابت لي
واسلست قيادها
وسلبتها شرفها
في يوم من الأيام
.. وما هي إلا أيام
حتى عرفت أن
في بطنها جنينا
يضطرب، فأسقط
في يدي، وطفقت
أبتعد عنها،
وأقطع حبل ودها،
وهجرت ذلك المنزل
الذي كنت أزورها
فيه، ولم يعد
يهمني من أمرها
شيء .. ومرت على
الحادثة أعوام،
وفي ذات يوم حمل
إلي البريد
رسالة مددتها
وقرأت ما بداخلها
وإذا بها تكتب
إلي (هذه البنت)
تقول : لو كان بي
أن أكتب إليك
لأجدد عهدا دارسا
أو حبا قديما
ما كتبت والله
سطرا ولا خططت
حرفا ، لأنني
أعتقد أن رجلا
مثلك رجل غادر
وود مثلك ودا
كاذبا يستحق
أن لا أحفل به
وآسف على أن
أطلب تجديده
.. إنك عرفت كيف
تتركني وبين
جنبي نارا تضطرب
وجنينا يضطرب
.. تلك للأسف على
الماضي، وذاك
للخوف على المستقبل
، فلم تبالي
بي وفررت مني
حتى لا تحمل
نفسك مؤنة النظر
إلى شقاء وعذاب
أنت سببه، ولا
تكلف يدك مسح
دموعا أنت الذي
أرسلتها .. فهل
أستطيع بعد
ذلك أن أتصور
أنك رجل شريف
؟ لا والله بل
لا أستطيع أن
أتصور مجرد أنك
إنسان، إنك ذئب
بشري لأنك ما
تركت خلة من الخلال
في نفوس العجماوات
وأوابد الوحوش
إلا وجمعتها
في نفسك .. خنتني
إذ عاهدتني على
الزواج فأخلفت
وعهدك .. ونظرت
في قلبك فقلت
كيف تتزوج من
امرأة مجرمة
؟ وما هذه الجريمة
إلا صنعت يدك
وجريرة نفسك،
ولولاك ما كنت
مجرمة ولا ساقطة،
فقد دافعتك جهدي
حتى عييت في
أمرك وسقطت بين
يديك سقوط الطفل
الصغير .. سرقت
عفتي فأصبحت
ذليلة النفس
سلبتني
راحتي وقضيت
على حياتي،
قتلتني وقتلت
شرفي وعرضي بل
قتلت أمي وأبي
فقد مات أبي
وأمي وما أظن
موتهما إلا حزنا
علي لفقدي .. لقد
قتلتني لأن ذلك
العيش المر
الذي شربته من
كأسك بلغ من جسمي
ونفسي وأصبحت
في فراش الموت
كالذبابة تحترق
وتتلاشى نفسا
بعد نفس .. هربت
من بيت والدي
إذ لم يعد لي قدرة
هذه القصة من واقع الحياة ولكم أن تتصورون نتائجها المرة أيها الأخوة على هذه الفتاة وعلى أسرتها من أم وأب حينما فقدوا ابنتهم ولم يعرفوا أين ذهبت .. وعلى هذا الفتى حين فقد حياته وكان بالإمكان أن يسعد لو أنه سار في الطريق المشروع وخطب هذه الفتاة من أهلها وتزوج بها أو بغيرها وعاش حياة أسرية كاملة يعبد فيها ربه، ويريح فيها قلبه، ويسعد فيها بدنياه وأخرته ..
|
©1998 - 2001 Copyright AlShamsi.Net ™ , All Rights Reserved.