|
|
ما ذهب في الماضي لا يعود في المستقبل |
|
كان المساء كئيباً تلبدت سماؤه بالغيوم، وزمجرت الريح فيه تنذر
بقرب هبوب العاصفة
وقد ضمت خديجة إليها أولادها الثلاث في غرفة متواضعة وهي تفترش
بساطاً بالياً
لم يبق من معالمه شيء
وكانت ترفع طرفها إلى السماء خلسة عن أطفالها
لتتابع
تطوراته خشية أن تهب العاصفة قبل أن يعود
زوجها من الخارج
حتى سمعت صوت صوت
المفتاح وهو يدور في
الباب فنهضت مسرعة وأهابت بأطفالها قائلة : قوموا فاستقبلوا
أباكم
!! جلس الأطفال في الغرفة الصغيرة ملتحفين بذلك اللحاف لعل الدفء أن يجد السبيل بينهم، وبينما هم في الغرفة وإذا بأضواء تتسلل من تحت باب الغرفة الخشبي، خرجت الام تتفقد وترى ماذا هناك واذا بها ترى النيران تاكل جميع ما في المنزل اخذت تصرخ وتصرخ ولم تعرف التصرف أتخرج هي أم تخرج أبنائها ؟! انتشلت أبناءها الاثنين وأخرجتهم ولكن يوجد ولد ثالث هناك لا بد أنها نسيت أمره !! تذكرت الام ولدها الصغير فذهبت مسرعة تبحث عنه من بين النيران وهي تبكي وتنوح بمرارة وبعدها وجدت الطفل في إحدى زوايا المنزل التي لم تصلها النيران بعد وقد كان يبكي بحرقة وخوف فهو طفل صغير لا يعرف ماذا يفعل ، ذهبت الام لتلتقطه من على الارض الى ذراعها ولكن النيران لم ترحمها فأخذت تنهش وتبلع من لحمها هي وابنها حتى شبعت !! حنين وشقيقها محمد تعبا من الانتظاروخافا على أمهما، فذهب محمد يبحث عن أمه ويناديها بأعلى صوته ولكن لا أحد يستجيب، ذهب إلى أخته مسرعا لينبأها بعدم وجود أمه، قال لها : أختاه .. لم أجدها لا أعلم إلى أين ذهبت !؟؟ أجهشت حنين في بكاء مرير وأخذت تبحث عن أمها هي وأخيها بلهفة ولكن القدر شاء أن ترحل الام هي وابنها، وصل الاب فرحاً حاملا الخبز والبسمة تعلو شفتيه إلا أنه صعق بالمنظر الرهيب والمرعب !! أخذ الاب وأبناءه يبكون ويبكون إلى ان جفت دموعهم من كثرة البكاء وباتوا في تلك الليلة يمشون ولا يعرفون إلى أين يذهبون .. ساروا كما تسير الحية ذات اليمين وذات الشمال ، ينعطفون كلما ظهر شيء أمامهم ويسلكون كل تشعب يلقونه حتى انتهى بهم الطريق الى شارع رئيسي، جلست حنين وهي مثنية بجذعها إلى الأمام حتى لامس رأسها ركبتيها ووضعت ذراعيها إلى جانبي رأسها لتحاشي رؤية او سماع أي شيء بينما أنفاسها الباكية اللاهثة تكاد تلهب قدميها الحافيتين، ومحمد كذلك انكب على وجهه وهو ينوح ويصرخ يا رب فلم يكن لديهم أمل في النجاة الا برحمة الله !! بعد أن ارتاحوا قليلا عاودوا السير في الشارع بجنون دون هدف وسط قصف جوي مباغت والقنابل والصواريخ تهوي من السماء كالوابل والاض تتزلزل من تحتهم والكل يصرخ بفزع وهلع والنيران تحاصرهم من كل جانب وسط ليلة غدر عجت سماؤها يألسن النار والشر مخلفة منازل محترقة متهمدمة ومستقبلا مصيرا مجهولا غامضا .. شد الاب على يدي ولديه وعبر الشارع معهما تطأ اقدامهما الحافية العارية الارض الجرداء وتستقبل أجسادهم تيارات الهواء الباردة فتقشعر ويزداد اقترابهم من بعض وتشبثهم ببعض والناس في شغل عن النظر اليهم بأنفسهم وذويهم .. وإلى السماء ارتفع البكاء والعويل والصراخ والنواح من كل جانب والاب ينظر الى السماء المحمرة فيرى بدر ليلة السادسة عشر يشهد فاجعة شعب غدر به عدوه وانتهك حرمته في غفلة من أعين الناس وعين الله فوق كل عين شاهدة ! حنين تفرك يديها ببعضهما البعض بقوة واستمرار وتهف عليهما طالبة شيء من الدفء لقد كانت ترتجف برداً والاب يكاد يسمع اصطكاك أسنانها اما محمد فكان مستسلما لصمت موحش !!
بعدها بقلبل سمع الجميع صوت ضجيج من السماء حتى صاح جميع
الملأ يا رب
.
وفجأة وبينما
وهم يركضون وقعت حنين
أرضاً فصار الأب يسحبها سحباً الى أن تمكن من
ايقاف اندفاعه
الشديد في الركض واقبل الناس يرتطمون بهم وداسهم أحدهم في طريقه، صرخ
الأب: قومي يا
حنين،
الا انها كانت تمسك بقدمها وتتلوى الماً وتصرخ
( قدمي
) .. جثى الاب
نحوها وأمسك
بقدمها الحافية فإذا
بقطعة من الزجاج مغروسة فيها والدماء تتدفق من
الجرح
، أمسك
الاب بقطعة الزجاج بين اصبعه وانتزعها بعنف وحنين
تصرخ بشدة وبعد
ذلك
سحبها من يدها
ليستوون واقفين وطاروا راكضين ممسكين ببعضهم
! نام الأب وأبنائه ثلاثة أيام إلى أن هدأ الوضع بعدها توجه إلى منزله بعد أن شكر الرجل لحسن استضافته .. حين وصل الأب وأولاده الى مدينتهم كان الظلام قد غطى الأجواء وتسارعت نبضات قلب الأب وهو يسير في الطريق المؤدي إلى منزلهم المحترق وتوقفت الذكريات عند حدث معين! شوارع المدينة لم تتغير.. الكثير من الحفريات والإصلاحات مبعثرة على الشوارع .. لا تزل بعض بعض المباني منهارة كما خلفتها يد الحرب ولا تزال المناظر تثير الرهبة في قلوب الناظرين، المسافة تقصر.. النهاية تقترب.. المباني تمر بهم وتنصرف واحداً تلو الآخر.. إلى أن ظهر أخيراً بيت قديم.. مهجور.. وغارق في الظلام.. كئيب وميت ومرعب تحف به أشجار محروقة. التصقت حنين بأبيها وكأنها تخشى شيئاً، دخلوا المنزل المهشم وسمحوا لطوفان الذكريات أن يجتاحهم ، انخرطت حنين في بكاء مرير وأخذت تصرخ وتنوح ثم دخلت وأخيها في غرفة أمها المتوفية وكثر بكاؤها ونحيبها وقامت تنادي أمها وهي تخاطب أخاها : لقد رحلت.. رحلت يامحمد لم يبق لنا أم لقد انتهى كل شيء.. كل شيء يا محمد أمي.. قد رحلت والمنزل احترق وأخينا الصغير قد رحل أيضاً فلماذا نحن أحياء؟ ليتنا متنا في ذلك اليوم المشؤوم .. ليتنا متنا وبقيت أمنا على قيد الحياة ، ألا لعنة الله على الظالمين الأوغاد لم يتركوا لنا شيء لا بيت ولا مدينة .. سلبوا أرضنا وحرقوا بيوتنا انتهكوا حرمتنا .. قتلوا أمنا نعم قتلوها يا محمد !! وبعد نوبة البكاء والنحيب خرج الأب وابنه متوجهين إلى الحديقة المحروقة وأخذوا يقطعون الأشجار وحنين تساعدهم في بعض الأعمال، أكملوا قطع بعض الأشجار ثم أخذوا يصنعون لهم كوخاً صغيراً لعلهم يستطيعون العيش فيه لبضعة أيام حتى يجدوا لهم سبيلاً .. أخذ الأب وأبنائه يعملون في بيتهم المحترق ويرممون فيه حتى ينتقلون من ذلك الكوخ إلى المنزل ، واكتمل ترميم المنزل وانتقل الأب وأولاده إليه وعاشوا في سعادة وهناء بعد عمل الأب وحنين أصبحت في السنة الأخبرة من المدرسة أما محمد فهو الآن في جامعة دخل فيها بجهده وتعبه رغم الظروف القاسية التي مرت بها العائلة حيث أدرك الجميع أنه لا فائدة من البكاء على الماضي لأن ما ذهب في الماضي لا يعود في المستقبل !!
|
©1998 - 2004 Copyright AlShamsi.Net ™ , All Rights Reserved.