|
زحفت الشمس باتجاه السرير الخشبي الهرِم, فانسحب
الظلّ متسلّقاً حائط الغرفة. لسعته الحرارة. قفز من سريره متذمراً. اتجه نحو
الحنفية. كفخ وجهه بكفّين من الماء ومسّدَ شعره ببقايا البلل. دلف إلى "البرّانية".
فتح الثلاجة. بحث عن شيء فيها دون جدوى. وقف مذهولاً حائراً. كان واثقاً أنه وضعه
في الثلاجة ليلة البارحة.
منذ صغرِه كان (م) يعتني بأناقته ولياقته وحسن هندامه, وشعره الناعم الفاحم المسدل
بشكل خاص. يقتني دوماً زيت (كريم) الشعر الثمين الإنكليزي المسمّى: بريلْ كريم,
بعلبته الزرقاء المدورة. ومن أجل أن يحافظ عليه متماسكاً, وحتى لا يسيح, فقد تعود
أن يضعه في أقصى زاوية في الثلاجة, بعيداً عن أيادي المتطفلين وعيون الفضوليين.
خطى مسرعاً نحو الباحة متوتراً بحثاً عمن يفسر له اختفاء الكريم أو يدلّه على مكانه.
في الركن المظلل من الدار قبعت أمه وأخوه الأصغر يتناولان الفطور. لاحظ أمه وهي
تمسك بعلبة الكريم, تغرز سبابتها وتدور بها حول قعر العلبة لتمسح بقايا الزيت
الملتصق, تمدُّ لسانها لتمسح سبابتها به ثم ترمي جانباً العلبة فارغة. وعلى الأرض
يحتضن الصغير بين ساقيه وبحرص شديد طبقاً وعليه نصف رغيف مطليّ بزيت أبيض كالقيمر.
- شتسوون؟ شتاكلون؟
صرخ بهما بحدّة وعصبية.
بدلاً من الخبز والشاي, الفطور اليومي الثابت, ارتأت الأم تغيير هذا الروتين الممل
والرتيب, وكانت فرحتها غامرة بعثورها على علبة "زبدة" مستوردة جلبها ابنها البارحة.
كانت قد لطعت نصف العلبة تماماً, ودهنت رغيف صغيرها بالنصف الآخر. بعد أقل من ساعة
بدأت تتحسس بطنها, تكظم الألم وتتحسس. كثر ترددها ومكوثها طويلاً في المرحاض. مرّت
نصف ساعة أخرى وكانت ترقد على سرير المستشفى انتظاراً لغسيل المعدة.
بقلم : محسن صياح غزال - مجلة الأزمنة
العربية
|