|
بعد جهد متواصل
ودؤوب من والدي ، استأجر لنا بيتاً على أطراف
المدينة ، هجرنا البيت القديم الذي يقع وسطها هرباً من الضجيج والزحام ، هكذا برر
والدي انتقالنا ، إلا أن الأمر في حقيقته غير ذلك ، فوالدي الذي يعمل في معمل
بلاستيك ، لم يعد يستطيع دفع
إيجار
البيت المرتفع ، ومتطلبات المصروف الأخرى .
وفي
مساء يوم ربيعي نقلنا أمتعتنا على شاحنة صغيرة إلى البيت الجديد ، كان فرش البيت
مكوناً من ثلاث فرش محشوة ببقايا الإسفنج وطاولة حديدية صدئة ، وأربع حصر منسولة
خيوط بعضها ، وخزانة ملابس لا قوائم لها وأدوات مطبخ نصفها من البلاستيك
.
في
صباح اليوم التالي وقبل أن ننتهي من وجبة الفطور المكون من مكدوس الباذنجان بدون
حشوة وزيتون محلى بماء الكلس قال والدي مخاطباً أمي بكلمات ناشفة : نحن غرباء عن
الحارة ، عينك على أبنك
،
لا أريد سماع كلمة شكوى من الجيران
!!
هزت أمي برأسها
علامة الموافقة ولم تنطق بحرف وراح أبي إلى معمل البلاستيك
..
كنت أكره صمت
أمي
واستسلامها لرغبات أبي
..
يأمر ، فتطيع بلا أدنى احتجاج ، توافق بصمت ، وتعمل بصمت
وكأن قوة خفية ربطت لسانها وسرقت منها نطقها
!
تأتـأت قائلاً : أيرضيك يا أمي أن
أبقى محبوساً في البيت : قالت بصوت يكاد لا يُسمع : لا تذهب بعيداً
..
فقط حول
البيت ..
خرجت
في الحال ، درت حول البيت . كان يسوره سور بقامة رجل من الجهة الجنوبية والغربية
فبدت بيوت الجيران مكشوفة
وتشبه
بيتنا حد المطابقة في شكلها الخارجي المدهون
بماء الكلس وحتى حدائق البيوت الثلاث بدت متشابهة
،
في كل بيت شجرتان من السرو
على يسار المدخل مباشرة ، وعريشة عنب تسلقت على السطح فاردة أوراقها لتشرب خيوط
الشمس .
أما من الجهة
الشرقية فيسور بيتنا سور , قدرت ارتفاعه بخمسة أمتار وعلى
الحافة العليا منه ، زرع الزجاج المكسر ، فصارت أشعة الشمس المعكوسة ، ترقص على
جدار البيت بقع ضوء ، بينما ينفذ من النافذة جزء آخر من الأشعة المعكوسة ، مشكلةً
دوائر من الضوء المبهر ، تضئ البيت ، وفي أسفل الجدار المرتفع نبتت نباتات برية
عُليق (
توت بري
) وأشواك
أُبرية ، صار من الصعب الاقتراب منه ، ثم أن الجدار يبدو
مصقولاً لا حواف له ، باستثناء بعض النتوءات التي لا تغري بصعوده ، هبطت عليّ فكرة
الصعود وألحت إلحاحاً إلى درجة الهوس , وبدأت أسأل نفسي أسئلة سريعة ومتواصلة
,
ماذا يخفي السور
خلفه من أسرار ..؟
ولِمَ كل هذا الارتفاع ؟ كيف أصعد السور ؟ لا
بد من صعوده
!!
غربت وشرقت محاذياً السور, ثمة ضوءٌ داخلٌ عبر شجيرة التوت
البري ، يضيء بعض فروعها الكثيفة ، توقفت
،
نظرت ..
لا شيء إلا أن الضوء بدأ يضيء
شئ ما بداخلي ويدفعني دفعاً إلى اكتشاف مصدره ، ومعرفة السر المختبئ خلف السور ،
اقتربت من شجيرة التوت البري ، ألصقت جسدي بالسور ودفعتها مقدار شبر ، تسرب ضوء
كالفضة من ثقب صغير بحجم حبة حُمص ، اقتربت منه ، أغمضت عيني اليسرى فتحت عيني
اليمنى و ألصقتها على فتحة الثقب ، نظرت
وعلى
الفور دغدغت أنفي رائحة ياسمين
مختلطة برائحة أرض مبللة بالمطر, وثمة طاولة دائرية بيضاء كبيرة ، صف حولها عدد من
الكراسي ، وسط أشجار متنوعة ، تتدلى منها الثمار وتطير فوقها طيور وعصافير بريش
ملون ، والى مسافة أبعد قليل ثمة مجموعة من شبان وصبايا يصخبون ويضحكون , وغير بعيد
عنهم أطفال يقرؤون كتباً ملونة ، بعضهم يتأرجح بمراجيح تظللها ظلال الأشجار ، حاولت
رؤية مساحة أكبر ، إلا أن ضيق الثقب لا يسمح لي بالرؤية أكثر مما رأيت ،
وهل
يمكن
رؤية عالمٍ ما من خلال ثقب ؟
فكرت بتوسيع الثقب ، فكرت بأداة تساعدني على توسيع الثقب ، لا
بد من أداة صلبة ، فكرت . بماذا , بماذا . صوت نبع من داخلي ، مبرد حديد مدور ،
أدوره في الثقب فأحصل على ما أريد من اتساع أبعدت عيني اليمنى عن فتحة الثقب ،
أسندت رأسي على السور ، أنصت ، يا إلهي . هناك شئ ما مدهش
،
مضيء ،
مبهج ،
أصوات ما
سمعتها من قبل
،
تصلني كتراتيل
ملائكة ، مصرة على حملي إلى عالم أخر غير هذا العالم
،
وأسمع خرير جداول رتيبة ، تأتي من البعيد ، وتصفيق أجنحة طيور غير مرئية ، وأسمع
صهيل خيول كأنها تصلني من أعماق الزمن ، ووقع حوافرها يدق في أذني بينما يسيل ضوء
كالفضة من الثقب
..
يا إلهي . أأنا في حلم أم في علم ، فكثيرة هي أحلام الليالي
التي تخبو مخلفة ورائها الخيبة والانكسار، لم أصدق أني في حلم لذلك قرصت أذني
،
فركت عيوني ، فردت أصابع يدي ، تحسست جسدي
، وبدا
لي أني أعيش الحالة بلحمي ودمي ،
وحمى فكرة توسيع الثقب راحت تلح علي من جديد
..
سأبدأ بتوسيع
الثقب حتى يصير بحجم
خوخة ، بحجم برتقالة ، بحجم كرة ، بحجم نافذة تنفذ منها الريح والضوء والموسيقى ،
لا أدري كيف ومتى حصلت على مبرد الحديد المدور
،
رحت أدوره في
الثقب بشي من الجنون
،
بدأ يتسع شيئاً فشيئاً
،
صار بحجم خوخة ، صار بحجم برتقالة ، بحجم كرة , بحجم
نافذة ، نفذت منها الريح ورائحة الياسمين والضوء , بدأ يتصدع بنيان السور بدأ ينهار
السور انتشر ضوء كالفضة ملأ الأماكن ، صدحت زقزقة العصافير كتراتيل ملائكة
..
علا
صهيل الخيول الشاردة حولي انسابت الموسيقى كالضوء , رعشة حمى هزتني بقوة , الدهشة
ربطت لساني , تساءلت بصوت مرتفع وأنا مبهور , بكل هذه السهولة تنهار الأسوار
؟
سمعت صوتاً كالسوط من خلفي ، خفت
..
الخوف شلني , بصعوبة درت
للوراء مرعوباً , كان والدي خلفي يكزّ على أسنانه وعيناه جاحظتان ، وبدا طويلاً
كمارد الأساطير ، والغضب الوحشي يغلي في عروقه ، كنت صامتاً كميت ، رفعني بيده
اليسرى إلى مستوى وجهه ، وبيده اليمنى ، تتالت الضربات على وجهي ، خفتت أصوات
الموسيقى ، توقفت الخيول الشاردة عن الصهيل ، العصافير حطت على الأرض وتحولت إلى
تماثيل ، السور عاد كما كان عالياً ، الضوء بدا يتراجع ، الظلام غطى المكان ، الروح
راحت مع الريح المحبوس وراء السور ، ضاق المدى مع تتالي الضربات لم أعد أرى لم أعد
أسمع ، صحت من وجعي ، أبي .. أبي
.
لمحت حركت يد أمي وهي تبعد اللحاف عن وجهي ،
وصوت بسملتها وهي تحاول إيقاظي
.. |