بكل هذه السهولة تنهار الأسوار

بعد جهد متواصل ودؤوب من والدي ، استأجر لنا بيتاً على أطراف المدينة ، هجرنا البيت القديم الذي يقع وسطها هرباً من الضجيج والزحام ، هكذا برر والدي انتقالنا ، إلا أن الأمر في حقيقته غير ذلك ، فوالدي الذي يعمل في معمل بلاستيك ، لم يعد يستطيع دفع إيجار البيت المرتفع ، ومتطلبات المصروف الأخرى .

وفي مساء يوم ربيعي نقلنا أمتعتنا على شاحنة صغيرة إلى البيت الجديد ، كان فرش البيت مكوناً من ثلاث فرش محشوة ببقايا الإسفنج وطاولة حديدية صدئة ، وأربع حصر منسولة خيوط بعضها ، وخزانة ملابس لا قوائم لها وأدوات مطبخ نصفها من البلاستيك .


في صباح اليوم التالي وقبل أن ننتهي من وجبة الفطور المكون من مكدوس الباذنجان بدون حشوة وزيتون محلى بماء الكلس قال والدي مخاطباً أمي بكلمات ناشفة : نحن غرباء عن الحارة ، عينك على أبنك ، لا أريد سماع كلمة شكوى من الجيران !!

هزت أمي برأسها علامة الموافقة ولم تنطق بحرف وراح أبي إلى معمل البلاستيك .. كنت أكره صمت أمي واستسلامها لرغبات أبي .. يأمر ، فتطيع بلا أدنى احتجاج ، توافق بصمت ، وتعمل بصمت وكأن قوة خفية ربطت لسانها وسرقت منها نطقها  !
تأتـأت قائلاً : أيرضيك يا أمي أن أبقى محبوساً في البيت : قالت بصوت يكاد لا يُسمع : لا تذهب بعيداً .. فقط حول البيت ..

خرجت في الحال ، درت حول البيت . كان يسوره سور بقامة رجل من الجهة الجنوبية والغربية فبدت بيوت الجيران مكشوفة وتشبه بيتنا حد المطابقة في شكلها الخارجي المدهون بماء الكلس وحتى حدائق البيوت الثلاث بدت متشابهة ، في كل بيت شجرتان من السرو على يسار المدخل مباشرة ، وعريشة عنب تسلقت على السطح فاردة أوراقها لتشرب خيوط الشمس .

أما من الجهة الشرقية فيسور بيتنا سور , قدرت ارتفاعه بخمسة أمتار وعلى الحافة العليا منه ، زرع الزجاج المكسر ، فصارت أشعة الشمس المعكوسة ، ترقص على جدار البيت بقع ضوء ، بينما ينفذ من النافذة جزء آخر من الأشعة المعكوسة ، مشكلةً دوائر من الضوء المبهر ، تضئ البيت ، وفي أسفل الجدار المرتفع نبتت نباتات برية عُليق ( توت بري ) وأشواك أُبرية ، صار من الصعب الاقتراب منه ، ثم أن الجدار يبدو مصقولاً لا حواف له ، باستثناء بعض النتوءات التي لا تغري بصعوده ، هبطت عليّ فكرة الصعود وألحت إلحاحاً إلى درجة الهوس , وبدأت أسأل نفسي أسئلة سريعة ومتواصلة , ماذا يخفي السور خلفه من أسرار ..؟
ولِمَ كل هذا الارتفاع ؟ كيف أصعد السور ؟ لا بد من صعوده !!
غربت وشرقت محاذياً السور, ثمة ضوءٌ داخلٌ عبر شجيرة التوت البري ، يضيء بعض فروعها الكثيفة ، توقفت ، نظرت .. لا شيء إلا أن الضوء بدأ يضيء شئ ما بداخلي ويدفعني دفعاً إلى اكتشاف مصدره ، ومعرفة السر المختبئ خلف السور ، اقتربت من شجيرة التوت البري ، ألصقت جسدي بالسور ودفعتها مقدار شبر ، تسرب ضوء كالفضة من ثقب صغير بحجم حبة حُمص ، اقتربت منه ، أغمضت عيني اليسرى فتحت عيني اليمنى و ألصقتها على فتحة الثقب ، نظرت وعلى الفور دغدغت أنفي رائحة ياسمين مختلطة برائحة أرض مبللة بالمطر, وثمة طاولة دائرية بيضاء كبيرة ، صف حولها عدد من الكراسي ، وسط أشجار متنوعة ، تتدلى منها الثمار وتطير فوقها طيور وعصافير بريش ملون ، والى مسافة أبعد قليل ثمة مجموعة من شبان وصبايا يصخبون ويضحكون , وغير بعيد عنهم أطفال يقرؤون كتباً ملونة ، بعضهم يتأرجح بمراجيح تظللها ظلال الأشجار ، حاولت رؤية مساحة أكبر ، إلا أن ضيق الثقب لا يسمح لي بالرؤية أكثر مما رأيت ، وهل يمكن رؤية عالمٍ ما من خلال ثقب ؟


فكرت بتوسيع الثقب ، فكرت بأداة تساعدني على توسيع الثقب ، لا بد من أداة صلبة ، فكرت . بماذا , بماذا . صوت نبع من داخلي ، مبرد حديد مدور ، أدوره في الثقب فأحصل على ما أريد من اتساع أبعدت عيني اليمنى عن فتحة الثقب ، أسندت رأسي على السور ، أنصت ، يا إلهي . هناك شئ ما مدهش ، مضيء ، مبهج ، أصوات ما سمعتها من قبل ، تصلني كتراتيل ملائكة ، مصرة على حملي إلى عالم أخر غير هذا العالم ، وأسمع خرير جداول رتيبة ، تأتي من البعيد ، وتصفيق أجنحة طيور غير مرئية ، وأسمع صهيل خيول كأنها تصلني من أعماق الزمن ، ووقع حوافرها يدق في أذني بينما يسيل ضوء كالفضة من الثقب   ..


يا إلهي . أأنا في حلم أم في علم ، فكثيرة هي أحلام الليالي التي تخبو مخلفة ورائها الخيبة والانكسار، لم أصدق أني في حلم لذلك قرصت أذني ، فركت عيوني ، فردت أصابع يدي ، تحسست جسدي ، وبدا لي أني أعيش الحالة بلحمي ودمي ، وحمى فكرة توسيع الثقب راحت تلح علي من جديد .. سأبدأ بتوسيع الثقب حتى يصير بحجم خوخة ، بحجم برتقالة ، بحجم كرة ، بحجم نافذة تنفذ منها الريح والضوء والموسيقى ، لا أدري كيف ومتى حصلت على مبرد الحديد المدور ، رحت أدوره في الثقب بشي من الجنون ، بدأ يتسع شيئاً فشيئاً ، صار بحجم خوخة ، صار بحجم برتقالة ، بحجم كرة , بحجم نافذة ، نفذت منها الريح ورائحة الياسمين والضوء , بدأ يتصدع بنيان السور بدأ ينهار السور انتشر ضوء كالفضة ملأ الأماكن ، صدحت زقزقة العصافير كتراتيل ملائكة .. علا صهيل الخيول الشاردة حولي انسابت الموسيقى كالضوء , رعشة حمى هزتني بقوة , الدهشة ربطت لساني , تساءلت بصوت مرتفع وأنا مبهور , بكل هذه السهولة تنهار الأسوار ؟
سمعت صوتاً كالسوط من خلفي ، خفت .. الخوف شلني , بصعوبة درت للوراء مرعوباً , كان والدي خلفي يكزّ على أسنانه وعيناه جاحظتان ، وبدا طويلاً كمارد الأساطير ، والغضب الوحشي يغلي في عروقه ، كنت صامتاً كميت ، رفعني بيده اليسرى إلى مستوى وجهه ، وبيده اليمنى ، تتالت الضربات على وجهي ، خفتت أصوات الموسيقى ، توقفت الخيول الشاردة عن الصهيل ، العصافير حطت على الأرض وتحولت إلى تماثيل ، السور عاد كما كان عالياً ، الضوء بدا يتراجع ، الظلام غطى المكان ، الروح راحت مع الريح المحبوس وراء السور ، ضاق المدى مع تتالي الضربات لم أعد أرى لم أعد أسمع ، صحت من وجعي ، أبي .. أبي .
لمحت حركت يد أمي وهي تبعد اللحاف عن وجهي ، وصوت بسملتها وهي تحاول إيقاظي .. 

عين على الحياة

موقع الشامسي
 

©1998 - 2004 Copyright AlShamsi.Net ™ , All Rights Reserved.