من يعيد حلمها ؟

وكعادتها كانت تعلم عنود منذ صغرها بحبها لابن عمها سعيد الذي لم ترى سواه في طفولتها وقد كانت تقضي معظم أوقاتها لعبا مع سعيد يبنون قلاع وبيوت من الرمال وكان يردد سعيد دائما لعنود هذا هو بيتنا عندما نكبر ونتزوج وهاهم أصبحوا يبنون آمالا وآمالا لتحقيقها ويالها من ليالي صعبة إذا غاب احدهم عن الآخر ، عندها يظل الآخر حزين ومهموم يا للغرابة عرفوا معنى الشوق في صغرهم ولم تكن تسعهم الدنيا لعظم حبهم لبعض ذاك الحب البريء ..
وهاهي الطفولة انقضت مسرعة قد يكون في نظركم انه حب طفولي لا غير ولكن هذا الحب كبر وكبر في قلب عنود حتى أصبحت فتاة بدأت تظهر عليها ملامح الأنوثة والجمال ،لقد اشتاقت عنود لتلك الطفولة لأنها كانت ترى سعيد يوميا ولكن اليوم تبدل الحال بعد أن كبرت وطبق عليها تلك العادات والتقاليد ، لم يرى سعيد عنود منذ أن كبرت ولكن كان يسمع من حوله على جمالها ورقتها ، وهاهم الخاطبون يطرقون باب عنود طالبين يدها ، كان كل من ياتي ويطرق بابها يقال له أن الفتاة تريد إكمال دراستها الجامعية ، كان هذا الرد الذي أتى من العنود يفي لأسباب الرفض ولكن كانت تنتظر قدوم سعيد لطرق بابها ، فعلا الحب كان اكبر واكبر وأعظم في قلب عنود ولكن قلب سعيد تغير الوضع فيه كانت بالنسبة له تلك الأيام (( لعب عيال )) لا أكثر ولكنها كانت تجهل هي بهذا الشيء لم تظن يوما أن حلم الطفولة كان مجرد وهم لا أكثر!!
والدة عنود : عنود اذهبي لتنظيف صالة الجلوس .
عنود : إن شاء الله أمي ولكن هل من احد قادم إلينا اليوم ؟
الام : نعم إن خالتك أم سعيد قادمة اليوم وعمك لزيارتنا .
عنود ويا فرحتها ذهبت مسرعة للتنظيف وهاهي تعطر البيت بأحلى العطور ( طبعا لأنها أم سعيد اللي كل شيء لعيونها يهون ) وهاهي تذهب للمطبخ لتحضير أشهى الأطباق من حلويات ومقبلات ..
وهاهي خالتها حضرت وتزينت عنود وذهبت لتسلم على خالتها وجلست بقربها .
خالتها أم سعيد : ما شاء الله عليك يا عنود أصبحت عروس ، أريدك لولدي سعيد ما هو رأيك ؟
عنود وهي محمرة الوجه سكتت لشدة استحيائها وذهبت لتساعد أمها ، ويا فرحة عنود أخيرا لقد حان الوقت وتلقي بجسدها على سريرها وأخذت بالتفكير الذي لن ينتهي .
وفي بيت عمها :
أم سعيد : ما شاء الله يا أبو سعيد على ابنة أخيك عنود جمال على أخلاق وعنود كبرت الآن لماذا لا نجعلها لابننا سعيد وهو أولى بها من غيرها ............،،، الأب يفكر وفجأة ينادي بسعيد .
الأب : سعيد أنت الآن لا ينقصك شيء وتعمل ولله الحمد لماذا لا تكمل نصف دينك يا ولدي وتأخذ ابنة عمك عنود وأنت أولى بها من غيرها فكر جيدا يا ابني ولا ترفض كالعادة ؟
سعيد لقد اعتاد هذا الحديث مرارا ومرارا من أمه وأبيه حتى زهق ومل .
سعيد : أبي من قال أني رافض أن أتزوج ولكن يا أبي لم يأت الوقت بعد لا تستعجل يا أبي قريبا ولكن ليس الآن .. ( ذهب سعيد خارجا من البيت وجعل والداه يدعون له بعد أن تعبت نفسهم أن تأتي بهذا الموضوع دائما والرد لا يتغير )
لقد كان سعيد يفكر بأخت صديقه عهد لأنه رآها كثيرا مع أخيها وطرق قلبه لها ، وهاهو حان الوقت ليعلن سعيد لوالديه أمره ..
سعيد : أمي أريد منك أن تخطبيها لي .
الأم وهي فرحة : أخيرا يا ابني قررت الزواج سوف اذهب لخطبتها لك من الغد واعلم يا بني انك لن تجد أفضل من عنود .
سعيد وهو مصدوم ويقول في نفسه ( من الذي جاء بذكر عنود في هالموضوع ) ،
سعيد : أمي نعم إني قررت الزواج ولكن أنا لم اذكر في حديثي أن الفتاة التي أريد خطبتها هي عنود .
الأم في صدمة ( وهي صارخة في وجهه ) أو نسيت انك كنت تردد دائما في صغرك : أن عنود لي وحدي ولن يأخذها سواي ، أتذكرت الآن هذا الشيء ؟
سعيد : أمي ولكن هذا كان قديما وأنا الآن لا أريدها ؟
الأم : إذا كان هذا شعورك اتجاه عنود الآن أما سألت نفسك ما هو شعور عنود اتجاهك ؟
سعيد وكأن هذا السؤال صاعقة وقعت عليه كيف لم يخطر بباله هذا الشيء ، لم يتفوه بكلمة عند هذه الكلمات فذهب إلى غرفته وهو حائر .
وبعد أيام استغلت الأم وجود سعيد بجانبها فتطرقت إلى فتح الموضوع مرة أخرى .
الأم : سعيد يا بني هل فكرت في الموضوع ؟
سعيد وكأنه يتهرب من سؤال أمه : أي موضوع يا أمي تتحدثين عنه ؟
الأم : أنسيت أم انك تتجاهل هذا الحديث ، يا بني ماذا قررت بشأن ابنة عمك عنود وأمر زواجك ؟
سعيد : يا أمي عنود ابنة عمي وهي في نظري اختي لا غير وهذه هي نظرتها أيضا اتجاهي يا أمي ، وعنود الآن لا تفكر في الزواج الآن لأنها تفكر ان تكمل دراستها الجامعية وسوف ترفضني كرفضها العديد من قبلي . ( كان هذا الجواب فقط لتظليل فكرة أمه بعنود لا غير لأنه كان مصر على أخذ أخت صديقه عهد ولكنه كان يجهل أن عنود كانت ترفض الغير بحجة إكمالها لدراستها ولكنه لم يكن يعلم أنها ترفض لانتظارها له مطرق بابها )
الأم وكأنها بدت مقتنعة بكلام سعيد وقالت له : ولكن من هي التي تريد أن تخطبها ؟
سعيد : أمي تتذكرين صديقي محمد ؟
الأم : نعم ما به .
سعيد : أظن انك رأيت أخته عهد عندما كنت تزورينهم ؟
الأم : نعم أتذكرها أهي التي تريدها ؟
سعيد : نعم يا أمي ما رأيك بها ؟
الأم : ما شاء الله عليها لم أرى ما يعيبها .
سعيد : أمي توكلي على الله واخطبيها لي .
الأم : إن شاء الله يا بني سوف احدث والدك أولا وعندها سوف نقرر .
وهاهو الأب وافق على خطبة ابنة جارهم وهاهم ذهبوا إليهم وخطبوها وبعد أيام تمت الموافقة ولله الحمد .
وهاهو الخبر انتشر في العائلة بعد إعلان عقد القران .
ويالها من صدمة وقعت على عنود وهي غير مصدقة وكانت تسأل فلربما يكون ابن عمها آخر وليس سعيد ولكن جميع الإجابات تؤكد انه سعيد الذي سوف يتزوج لا غيره ، وهاهي تحبس دمعتها وعبرتها من شدة الألم ، بعد أن كانت في طفولتها تبني قلاع من الرمال لم تعلم أنها كانت أيضا تبني أحلام من وهم وسراب .
وها قد أعلن يوم زفاف سعيد من عهد ، وهاهم بدأوا بتفصيل أحلى الفساتين لكي تكون كل واحدة منهن أجمل من الأخرى في ليلة الزفاف .
ولكن كان سعيد يفكر ويعيد سؤال أمه على مسمعه :
إذا كان هذا شعورك اتجاه عنود الآن أما سألت نفسك ما هو شعور عنود اتجاهك ؟
قد يظن البعض منكم أن بتفكيره هذا يدل لحبه لعنود ولكن للأسف لا ، لان حبه لعهد تعدى حب طفولته بكثير !!
فجأة يطرق باب غرفة سعيد يا ترى من هو الطارق لقد كانت أخته مريم هي الطارقة فاستأذنت بالدخول للحديث مع أخيها سعيد .
مريم وهي تمد بيديها ، قائلة : تفضل يا أخي ؟ وإذا بها تعطي لأخيها قطعة من المخمل بداخلها شيء .
سعيد : ما هذا يا مريم ؟
مريم : افتحه وسترى بنفسك .
فإذا به يفتحه فإذا بداخلها حجرة تشع ببريقها وهو مستغرب ،
سعيد : ما هذه الحجرة يا مريم ؟
مريم: بهذه السهولة تنسى كل شيء حتى ذكرياتك ، أنسيت هذه الحجرة التي وجدتها في صغرك وأنت تلعب بالرمل فانبهرت بها فأحببت أن تهديها لعنود عندما تأتي لتلعب معك أنسيت ؟
سعيد وهو يحاول أن يتذكر ويتذكر حتى تذكر الأحداث جميعها ،
سعيد : نعم تذكرت يا مريم .
مريم : ألن تسألني ما الذي أتى بهذه الحجرة هنا ؟؟؟
سعيد : نعم يا أختي أمن المعقول أن مريم احتفظت بها كل هذه السنين ؟
مريم : نعم يا أخي ولا أظنك انك في أتم الاستعداد لتعلم ما الذي جنيته بيدك من إجرام بحق غيرك ؟
سعيد : مريم ما الذي جنيته أنا وما الذي فعلته ؟ أنا لم افعل شيئا ما الذي تقولينه ؟
مريم : أخي إني حزينة بداخلي رغم قرب زفافك ، أتعلم أن عنود احتفظت بهذه الحجرة التي لا تساوي شيئا اذا رآها أحدا في طريقه ولكنها كانت تساوي الكثير الكثير في حياة عنود لقد كانت تعتني بهذه الحجرة وقد حفظتها بقطعة مخمل كي لا يغرها الزمان ، وهاهي عشرين سنة انقضت منذ أن كان عمركما 4 سنين وهاهي الحجرة اليوم ترجع إليك بعد أن انتهى ذاك الحلم البريء .
سعيد مقاطعا لكلام أخته : انتظري قليلا يا مريم أي حلم تتحدثين عنه ؟
مريم : تلك الأحلام البريئة التي وعدتها لعنود أتتذكر انك كنت تقول لن يأخذ احد مريم سواي أنسيت ، قد تكون هذه الكلمات لا تعني لك شيئا ولكن لقد بنت عنود حياتها على تلك الكلمات والآمال منتظرة قدومك لتطرق بابها ولتحقق حلم الطفولة التي عاشت من أجله ، انك تظن أن عنود ترفض الخطابين لأنها تريد إكمال دراستها ولكن ليس هذا هو السبب لأنها كانت منتظرة شخصا آخر عاش في قلبها لسنين ألا وهو أنت والآن تأتي أنت يا أخي بهذه السهولة تسرق منها حلمها البريء وتعلن أنها كانت مجرد أحلام لا أكثر، حَلمَ بها طفل وطفلة ذات يوم ......،،، والله لو تعلم مدى حزنها وألمها لما أهنت تلك الأحلام البريئة يا أخي و اليوم أتيت إلي عنود والعبرة تخنقها لتعطينا هذه الحجرة لإرجاعها لصاحبها الذي هدم تلك الأحلام بيديه وسرقها منها .
فخرجت مريم من غرفة سعيد وهي مدمعة العينين ، وهاهي الأيام ذهبت مسرعة ليأتي يوم الزفاف وهاهي تدخل عنود قاعة الزفاف لتسلم على قريباتها وكل واحدة منهن كانت أجمل من الأخرى ولكن لا أظن من بين جميع الفتيات الحاضرات من يضاهي ألم عنود ، وهاهي بدأت مراسم الزفاف فتدخل العروس بثوبها الأبيض ، فتذكرت عنود عندما كانت ترى صديقاتها يتزوجن كان يخيل لها هي بذاك الثوب الأبيض فتذكرت أنها عاشت لذاك الحلم ، فجأة تهزها أختها قائلة : عنود عنود أين وصلت أهذا وقته انظري سعيد قد دخل وهو يتقدم إلى عهد ، عنود تستيقظ من ذاك الحلم لتعيش الواقع وهي ترسم على شفتيها ابتسامة لا يعلم حقيقتها سواها ، يا لها من لحظات مؤلمة تستحملها عنود وهي تحبس دمعاتها فإذا بها تشعر بيد إحداهن تكتف عليها فإذا هي تلتفت وترى مريم أخت سعيد تقف بجانبها وهي تواسيها فإذا بدمعة نزلت من عين عنود وبعدها أدمعت عين مريم وسرعان ما بدلوا الحال برسم ابتسامة خفيفة ، وهاهم جميع أفراد العائلة ذهبوا للتهنئة سعيد وزوجته وهاهي مريم تمسك يد عنود قائلة لها : هيا بنا يا عنود لنسلم على سعيد وامسحي دمعاتك كي لا يشك بحالنا أحد .
عنود تتمالك نفسها وتصعد إليهم و تسلم على عهد العروس وهاهي تسلم على سعيد وتبارك له ولكنه لم يعرفها،
فقالت له أخته مريم : أتتذكرها ؟
يحدق سعيد في وجهها ولكن خانته ذاكرته .
فنطقت عنود بصوتها الحزين : هذه أنا يا سعيد عنود أنسيتني ؟
سعيد وبعد ان كان مبتسم تغير وجهه لشدة خجله بالذي فعله بحق هذه الفتاة ........ ولسرعان ما بدل تلك الملامح كي لا يدخل الشك في قلب عهد .....،،،،
سعيد : لقد تغيرت يا عنود أنا آسف لأني لم أعرفك لأنك اعلم أنني لم أراك بعد تلك السنين ؟؟؟
عنود : لا عليك يا سعيد ،وهاهي تسرع للنزول قبل أن تسقط دمعتها وتفضحها ،،، مبارك لك زواجك يا سعيد .
أحس سعيد بعنود ولكن ما الفائدة الآن وهاهو الزفاف انتهى وابتدأت حياة سعيد الجديدة مع زوجته عهد ، وهاهي الأيام تمر وتمر، وعنود تنتظر من يعيد حلم طفولتها بالثوب الأبيض الذي سرقه فارس أحلامها الذي كان أغلى إنسان وجد في حياتها ويعيد تجميع حطام قلبها المتبقي ، فمن يعيد حلمها ؟
 

حسبت انك عيشتي بفرحة صـــــغيرة ...
ونسيت إني عايش بدنيا كبــــــــــــــيرة
كبرت أنا وبنيت فرحة بدايتها صغيرة ...
وأثرها مع الوقت صارت كبـــــــــــــــيرة
مشيت وفجأة طحت طيحة صــــــــغيرة ...
أتاري أني كنت أعيش بكذبة كبيــــــــــرة
 

ومضة : من الجميل أن تبني حلما في أرضك وتهديه للذين أحببتهم ولكن الجدير أن تكون متأكدا أنه باستطاعتك تحقيقه في الغد .
 

بقلم هادية حسن المنهالي

 

عين على الحياة

موقع الشامسي
 

©1998 - 2005 Copyright AlShamsi.Net ™ , All Rights Reserved.