|
فجأة رحلت جدتي دون سابق إنذار ...لم أصدق خبر
رحيلها، قابلتُ هذا الخبر بنظرة ضائعة، ولم يجرؤ لساني على الحديث، فقد اختنقت
الكلمات في حلقي، وارتجفتُ بشدة ، لقد أيقظ رحيلها المفاجئ أموراً كنتُ قد
تناسيتها، وأغلقتُ عليها منذ زمن قديم. رفعتُ عينيّ التائهتين أنظر إلى والدتي
الغارقة في بحر دموعها، غير مصدقة ما حدث، فرغم أن جدتي ـ رحمها الله ـ كانت مريضة
للغاية وتعاني من أمراض كثيرة لا حصر لها، إلا أن موتها المفاجئ كان صدمة بالنسبة
لوالدتي.
لا أدري كيف مرّ الوقت عليّ سريعاً؟ والدتي أسرعت تحتضننا على عجل، وهي ترتدي
عباءتها، كانت تبكي وحمم من الدموع تغرق وجهها الباهت، كانت تريد أن تراها قبل أن
ترحل، هذا ما رددته وهي تتحدث مع والدي في الهاتف قبل لحظات حينما أتاها خبر وفاة
الجدة، وغادرت المنزل بسرعة، كنتُ أنظر إليها في وجوم، أرمقها بنظرة خاوية، باردة.
صداع فظيع يؤلم رأسي، أشعر بالغثيان، لديّ رغبة قوية أن أخفي وجهي في حضن دافئ
يغمرني بالحب والحنان، يمسح عني آلام حزني.
عدتُ إلى غرفتي، خطواتي أصبحت بطيئة، المنزل ساكن، إخوتي كلهم نائمون، أحاول أن
أتمالك نفسي، أغلقتُ الباب بقوة، ولم تحتملني قدماي، فتهاويتُ أمام عتبته، جدتي
رحلت عن الحياة.. رددتها بقوة في داخل أعماقي وكياني وروحي، كانت بيني وبين نفسي،
لقد رفضتْ أن تخرج إلى الساحة وبقيت صريعة داخلي.. لقد غادرت المكان دون رجعة، دون
عودة، هل تفهمين؟ أي شيء أنتِ؟ كنتُ أحدث نفسي، ألومها على قسوتها، لماذا لم أبك
على رحيلها؟ ولا دمعة واحدة. إني أعذر إخوتي لأنهم لم يبكوا، ولكنها قامت بتربيتي.
أسرعتُ إلى سريري، وأخفيتُ وجهي في وسادتي، فرفض جسدي النوم والراحة، كانت أوصالي
الليلة كلها تبكي وتئن، تبحث عن قلب دافئ يحتضنها، ويطفئ نيران الألم داخلها، شيئاً
فشيئاً ..
من بين تلك الصور التي احتلت ذاكرتي، صورة في يوم من الأيام أحببتها بكل ذرة في
كياني، صورة لامرأة عجوز، قد غشت التجاعيد وجهها، وداهمها الزمن، فخارت قواها ..
منذ فتحت عيني، طفلة صغيرة تلعب بدميتها الخشبية، كانت إلى جواري، تقوم بأعمال
المنزل، فوالدتي كانت تصارع مرضها، ووالدي كان رفيق السفر دوماً، لا يعود إلا بعد
أربعة أو خمسة أشهر، يومها تصورت في طفولتي، أن الرجال، كل الرجال في العالم، لم
يخلقوا إلا للسفر والعمل !!
جدتي وحدها وقفت إلى جواري، رغم أنها لن تعوضني عن حنان والدي الذي أفتقده حتى هذه
اللحظة، ولكنني تنسمتُ رحيقَ حكاياتها، فغرقتُ في تلك النشوة حتى إذنيّ. في الليل،
كنت أجدني ألجأ إلى حضن جدتي، أبحث عن شيء أفتقده في هذه الحياة، فتتلقفني بسعادة،
لتبدأ في سرد الحكاية، عندها كنتُ أحلق في عوالم جميلة، متناسية وحدتي في هذا
العالم المزدحم، غير مبالية بمستقبل مجهول، المهم أن هذه الحكايات تجعلني أنسى
وحدتي، خوفي، مرض والدتي، غربة والدي، كنتُ أشعر بأن هذه الحكايات كلها لي، كانت
تحكي وتحكي بكل انفعالاتها، مشاعرها، أحاسيسها، وكنتُ أكتفي فقط بالاستماع إليها
فحسب، وقلبي يخفق سعادة، وأبذل جهدي لكي يتجاوز عقلي، وعند منتصف الحكاية، كان
النوم يتسلل إلى جفن جدتي، فأحاول بكل ما لديّ من قوة أن أوقظها، أحياناً تجدني
أنظر إليها في براءة، ولساني يسألها الاستجداء، أريدها أن تنهض وتكمل لي سرد
الحكاية، ولكن هيهات، كان النوم قد أخذها هي الأخرى إلى عالم جميل، فأجلس مُسندة
رأسي إلى الجدار، أرمق النجوم من خلف النافذة، بنظرة تائهة، ينتابني شعور متناقض،
لقد اعتدت على الأحلام وأنا صغيرة لم أتعد الخامسة من عمري، حكايات جدتي تتغلغل
داخل روحي، وتحيلني إلى عالم من العواطف المتنافرة والمتآلفة، كان شيءٌ ما في
أعماقي يؤكد لي أن هذه الحكايات قد أضافت إليّ شعوراً بالانتصار، كنتُ سعيدة، وقلبي
الصغير الظامئ يحلق منتشيا في عوالم السعادة.
ومرت الأيام سريعة، خريف، شتاء، ربيع، صيف. وعادت والدتي إلى المنزل، ورحلت جدتي
عنه، كم أفتقدها؟. توالت أحداث كثيرة في حياتي، وفاة جدي، مرضي المفاجئ، ثم رحيل
جدتي، كلا.. وفتحت عيني، كنتُ غارقة في الدموع، وعدتُ أدفن وجهي في وسادتي أكثر،
فأكثر، كان العجز والمرارة يحتلان جزءاً كبيراً من نفسي الليلة.
رحلت جدتي الحبيبة، وتركتني خلفها غير قادرة على الاحتمال.. عيناي تدوران في كل
مكان حولي .. كنتُ أراها في كل ركن من منزلنا .. أسمع كلماتها وحكاياتها في كل
مكان.. كم أشعر بالوحدة دونها .. قاسية هي روحي، كالصحراء المترامية الأطراف! وعلى
الرغم من ذلك انتابني شعور ما بالتفرد لأن حكاياتها ستكون لي وحدي.
قصة قصيرة للقاصة الإماراتية
المتميزة فاطمة المزروعي
|