المــوت الحقيقــي

بعد شهور قاسية قضيتها في الغربة بعيداً عن وطني وبيتي وزوجتي .. ها أنا أعود من جديد .. يالفرحتها اليوم بقدومي إليها .. بلا شك هي أسعد امرأة في هذا الوجود .. ما أسعدني بعودتي إلى أحضانها الدافئة .. وإلى أرضي وبيتي ومزرعتي .. اليوم هو عيدي ولذلك الفرحة تغمرني من رأسي حتى قدمي !
اشتقت إليها كثيراً فالبعد عنها يقتلني ألف مرة في اليوم الواحد .. وفراقها يحرم عيني من لذة النوم في كل ليلة أقضيها بمفردي .. ومع إشراقة كل شمس أدعو الله سبحانه وتعالى أن يجمعني بها من جديد وأن يخفف عني وطأة الغربة ومرارة البعد عنها لأنني لا أعتقد أنني أستطيع العيش بدونها فهي هوائي الذي أتنفسه وعيوني التي أرى بها وقلبي الذي يجعلني باقياً على قيد الحياة !
كان كل همي هو أن أعمل بجد حتى أجمع المال اللازم الذي يكفينا أنا وهي للعيش في قريتنا بدلاً من ابتعادي عنها وسفري إلى أرض الغربة القاسية لذلك كنت أعمل صباحاً ومساءاً وأحرم نفسي من أي فترة للراحة لأن راحتي الوحيدة تكون في القرب من زوجتي والسكن في بيتي .. كنت أمنع عيني من النظر لأي امرأة لأنني من شدة حبي لها أحس أنها تراني في أي مكان أذهب إليه .. كنت أرى الحلوى والفاكهة تباع على الأرصفة في طريق ذهابي إلى عملي ولكنني كنت أحرم نفسي منها لأنني متأكد أنه لا طعم للحلوى والفاكهة بدون تناولها مع زوجتي ..
مضت الشهور ثقيلة ومتعبة ولكن أملي في رؤيتها وحبي لها كان يخفف عني الكثير الكثير من مرارة الغربة وقسوتها .. وكان شوقي لرؤيتها يدفعني للعمل أكثر وأكثر بل يعطيني القوة لأحطم أركان الأرض بقبضاتي وسواعدي .. إلى أن حان الموعد واقترب .. أخيراً جاء اليوم الذي كنت أنتظره .. إنه يوم العودة إلى وطني .. وأي وطن أرتاح في الحياة عليه سوى بيتي وزوجتي ؟!؟
ذهبت إليها أسابق الوقت .. أسرق الثواني حتى أراها .. أحث الخطى نحو منزلي الجميل الذي أعيشه مع أعظم إنسانة في هذا الوجود ..
توقعت أن أجدها تكتب قصيدة جديدة أو ترسم لوحة فنية رائعة فهي امرأة فنانة وتمتلك إحساساً مرهفاً .. كانت جميلة ومبدعة وخفيفة الظل .. ما أروعها من أنثى !!
اليوم سأراها وأكحل ناظري برؤيتها وما أسعدها من لحظة تلك التي تضمني فيها بشوق لا حدود له وتقبلني بعشق لا أستغربه من مجنونة عاشقة مثلها .. اليوم سأراها وتراني وأعاتبها وألاعبها وأثير غيرتها وأحكي لها عن قصة امرأة سرقت عقلي وقلبي في غربتي وهي بالتأكيــــد ستكون بطلة هذه القصة !
لم تكن تنتظرني كما توقعت .. ربما لم تتوقع عودتي مبكراً .. لا يهمني ذلك لأنها بمجرد رؤيتي ستضمني بكل الحب إلى صدرها وربما تبكي مذهولة غير مصدقة لعودتي ..
دخلت البيت بسرعة كالمجنون .. كان الهدوء مقيتاً والسكون مخيفاً .. أخذت أفتش عنها في كل الغرف .. في كل الزوايا .. لم أجدها .. !!
أين ذهبت حبيبتي ؟ لماذا لا أراها ها هنا ؟! ربما ذهبت إلى إحدى جاراتها أو ربما هي بغرفة أخرى تتزين وتلبس أجمل ثيابها لاستقبالي أو ربما تعد مفاجأة تبهرني بها فأنا أعرفها جيداً تحب المفاجآت والمقالب ودائماً هي ظريفة وتهوى إدخال البهجة والسرور على قلبي .. إنها شيطانة طيبة وجميلة ودائماً أحب كل ما تفعله هذه المجنونة !! بينما كنت أبحث عنها سمعتها .. ما هذا الصوت .. إنها هي .. وأخيراً وجدتها .. ولكن ؟؟!
في ظلام إحدى الغرف كانت جالسة .. في أحد الأركان كانت منزوية كما المجنونة .. ترتعد كما الخائفة .. تهتز كما المسكونة ..
وجدتها تبكي وتنوح بحرقة وعذاب .. أفزعتني وأسقطت قلبي من بين جوانحي .. ركضت بسرعة نحوها .. سألتها على الفور ماذا يبكيك أيتها الحبيبة .. ؟
لماذا أرى الحزن في عينيك فاتنتي ؟ لماذا الدموع على خديك حبيبتي ؟
لم تكن هي زوجتي الطفلة الجميلة .. كانت شاحبة اللون صفراء متجهمة وكأنها لم تأكل منذ فترة طويلة .. كانت عيناها جمرتان وكأنها لم تتوقف عن البكاء منذ أسابيع .. ربما لم تعرف طعم النوم منذ أيام .. لم تكن زوجتي بل كانت امرأة أخرى خارجة من أحد القبور .. !!
سكتت وهي ترمقني بنظرات الخائف المذنب .. لا تتكلم لا تنطق .. صرخت في وجهها : أجيبي ماذا بك ؟!
أخذت تبكي وتنوح بقوة ثم صرخت والصدى يردد كلماتها : أنا خائنة .. أنا غادرة .. أنا لا أستحقك ..
صرخت أكثر : لقد كنت معه .. لقد نمت في حظنه .. استزلني الشيطان إلى الحرام !!
مع كل كلمة كانت تقولها كانت تقتلني .. تقطع أوصالي وتذبحني .. كانت كمن يتمادى في ضربي وطعني بلا رأفة ولا شفقة !!
يالك من ملعونة .. أمسكتها من كتفيها لأسألها .. أخذت تبكي بلوعة تقطع قلبي وتصرخ وصوتها يمزق أذني وأنا أرقبها مصدوم مقهور ..
سقطت صريعة من يدي على الأرض وكأنها ماتت ومازلت واقفاً مذهولاً من هول ما سمعت منها !!
كانت الحادثة أكبر من تصوري .. وأكبر من مستوى تصديقي .. ماذا أفعل !!
كنت أظنه كابوساً فظيعاً تمنيت أنا أستيقظ منه بسرعة لأنه لو استمر أكثر من ذلك فإنه سيقتلني على فراشي .. ولكنه ليس كابوساً يا هذا .. استيقظ ..إنها الحقيقة !!
والآن ماذا أفعل .. ؟
هل أبكي عليها لأنها خانتني ؟
هل أبكي على مفاجأتها الجميلة ؟
هل أبكي لأنها ماتت ؟
هل أبكي شماتة بحالها ؟!
لم يكن ذلك وقت الدموع .. ربما يكون الموت لمثلي أرحم في هذه الحالة من أي شيء آخر !!
 

قمت إلى حبي أناجيها .. وأسألها عما كان يبكيها
كأنها في الحزن غارقة .. والدمع مقتول في مآقيها
تبكي وكأن العمر مضى .. والموت جاء فرداً ليطويها
حزينة وكأن الليل أتى .. والدجى لوحوش سيرميها
سألتها ماذا دهاك سيدتي .. هل الدمع للحسناء يزهيها؟
أتبكي بهذا الحزن فاتنتي ! .. يا ويحتي لو كنت مبكيها
قامت إلي وكلمات ترددها .. مقتول بسيف من يغنيها
أنا من كنت اليوم مجرمة .. أنا التي ماتت معانيها
أنا التي في الحب مذنبة .. أذنبت فالبس لبس قاضيها
اليوم كنت معاه خائنة .. اليوم نفسي كنت أزنيها
صعقت لما سمعت قصتها .. ومزقتني من هول ما فيها
وماتت أغصان الحياة بها .. وهوت نجومي من معاليها
كانت طوال العمر خائنة .. واليوم كأس الموت يسقيها
هل أبكي عليها حتى أسترها .. أم أبكي عليها شماتة فيها

بقلم إماراتي

 

عين على الحياة

موقع الشامسي
 

©1998 - 2004 Copyright AlShamsi.Net ™ , All Rights Reserved.