|
كأنه على موعد معها...كل صباح ينتظر حضورها .. طيلة
الأشهر الماضية لم تتخلف يوما واحدا عن القدوم .. دائما
نفس الأناقة ...نفس البساطة و نفس الابتسامة ...على الرغم من أن ابتسامتها ليست له!
كل صباح، عند موقف الباص ...يراها آتية ..تقف بجانبه...تحي السيدة العجوز التي
تنتظر الباص ليقلها إلى عملها في المستوصف..تحدثها العجوز عن الأحبة الذين طال
غيابهم فترد عليها بابتسامتها التي أسرت قلبه منذ رآها و تطمئنها انهم و إن طال
غيابهم ، سيعودون قريبا.
كم تمنى لو أنها تحادثه ...لو أنها تشمله بابتسامتها ..لو أنها تغمره بصوتها
الدافئ.
كم تمنى لو انه يحادثها...ليخبرها عن أحلامه التي ما حقق منها شيئا إلا منذ
رآها...أن الشمس ما عادت تنير أيامه إلا بوجودها..انه عاد للجامعة كي يكمل دراسته
التي اضطر لتركها عند وفاة والده و ذهاب معيل العائلة..انه يعمل جاهدا كي يوفر
لنفسه ما يؤهله لخطبتها...
تراها تقبل به إذا ما طلبها للزواج؟كم يتمنى لو أن لديه الشجاعة كي يسألها...ها هي
تلتفت إليه و مازالت ابتسامتها تنير وجهها و تمده بالشجاعة التي يريد....
لكن، مهلا...ما زال في بداية الطريق ...كلا لن يسألها اليوم...سينتظر نهاية الشهر
القادم...عندما يتخرج و ينال شهادته و يحصل على الزيادة و الترقية التي وعده بها
رئيسه..عندها سيسألها و كله ثقة و شجاعة.
...................
لأول مرة منذ عرفها تتأخر عن الحضور ..يأتي الباص و
يركب الجميع حتى السيدة العجوز و يظل هو وحيدا في الموقف ينتظر...ربما كانت
مريضة...ربما لن تذهب اليوم إلى عملها...ربما....
لكنها حتما ستأتي غدا...
و يأتي الغد...لكنها لم تطل بأناقتها و بساطتها و ابتسامتها ...لا يطيق
الانتظار..يتوجه للسيدة العجوز..
"سيدتي الفاضلة،أتذكرين تلك الفتاة التي كانت تحادثك كل صباح؟"
"طبعا يا ولدي ، كم هي لطيفة و رقيقة...محظوظ خطيبها أم علي أن أقول زوجها.لقد
تزوجت قبل عدة أيام و سافرت معه إلى حيث يعمل و...و...و..."
لم يسمع بقية حديث العجوز....مخطوبة! كيف لم يلمح الخاتم في يدها..
تزوجت قبل عدة أيام..يعني نهاية الشهر الذي تخرج فيه و نال زيادته وترقيته...
كم تمنى لو انه حادثها قبل سفرها : ليخبرها عن ما فعلته ابتسامتها في حياته..
ليشكرها على كل ما فعلت ...من دون أن تدري!
عمان 21/5/2000
|