الجزء الثاني

في يوم من الأيام اتصلت بها موظفة البدالة وقالت لها بأن فاتورة الهاتف قد وصلت وبأن المبلغ الذي يتوجب عليها دفعه هو (عشرون ألف درهم) وهو قيمة مكالمات شهر واحد فقط، صعقت لما سمعت ولكنها تماسكت واستطاعت أن تدفع (أحد عشر ألفاً) كدفعة أولى على أن يتم تقسيط المبلغ المتبقي عليها فوافقوا، اتصلت به لتستنجد به فقال لها "بأنه سيتوقف عن الاتصال بها حتى لا يتم حساب المكالمات عليها وهو لا يستطيع أن يفعل لها أكثر من ذلك غير الاعتذار عما سببه لها من أزمة" فشكرته وقالت "بأنها تستطيع التصرف وحدها وليس عليه أن يعتذر" استطاعت بمساعدة صديقاتها أن تسد المبلغ المطلوب والذي وصل مجمله إلى (ثلاثين ألف درهم). ولكن غباءها وحبها الذي لا حدود له لم يكن ليتوقف فاستمرت بالاتصال به وطلبت منه أن يتصل بها كما كان يفعل وأن لا يهتم بالمال الذي قد تصرفه أو الديون الذي حلت عليها نتيجة اقتراضها من البنوك لسداد الفواتير، وكأنها أعطته السلاح الذي يمكنه من استخدامه للانتقام منها، فقد بدأ بالاتصال مرة أخرى ولكن لمدة أقصر ولكن بشكل يومي، صديقاتها كن يلمنها على ما تفعله ولكنها لم تستمع إليهن فهي قد وجدت حب حياتها الذي لا تريد التنازل عنه. وجاء موعد العودة وطلب منها أن يراها فوافقت ولكن طلبت منه يتقابلا في مقر عملها إذ كانت ترفض رفضاً باتاً أن تخرج معه أو أن تلتقيه في مكان عام أو خاص، تقبل الفكرة على مضض وانتظرت ذلك اليوم وهي تشعر بسعادة وخوف لمقابلته لأول مرة وكأنها تقابل رجلاً لأول مرة. وهاهو اليوم قد أتى وكان في شهر رمضان وقبل أيام من ذكرى يوم مولدها وحانت ساعة اللقاء، تحضرت كثيراً لذلك اليوم لبست أجمل ما تملك وتزينت بأدوات التجميل في وجهها وتعطرت له، واستعدت للساعة الحاسمة، كانت تشعر بنفسها كأنها أميرة ستزف إلى أميرها، وليس هناك من هو أجمل منها وجاء إليها، كانت متلهفة للقائه ولكنها لم تجد ذات اللهفة في عينيه وأحست ببرود في مشاعره ولكنها قالت ربما هي رهبة اللقاء الأول ولكنه صفعها بكلمة أدمت محاجرها وكسرت كل ما هو جميل في عينيها، أحست بروحها وكأنها زجاج يتكسر في داخلها وأن هناك من يدوس عليه ليزيده تكسراً حتى يصبح طحيناً تذروه الرياح، أحست بأن هناك من دفعها من أعلى قمة في العالم لتهوي إلى مكان سحيق لا قرار له، أحست بأنها تتأرجح بين السماء والأرض وقد ربطت يديها فلا تستطيع التحرك لتفتح مظلة النجاة قال لها "أنت لست كما توقعت" لم تصل إلى توقعه في مستوى الجمال الذي يفكر فيه، كانت تعلم بأنها لا تملك جمالاً فاتناً ولكن أن لا تصل إلى مستوى الجمال الذي يريده من تهوى فذلك يحولها إلى أقبح إنسانة في الوجود يحولها إلى مسخ بشري لا يرغب أحد في النظر إليه، لم يقضي معها إلا ساعة كان يشعر بالضيق خلالها فطلبت منه أن يغادر لأن لديها اجتماع، ولكنها في الحقيقة كانت تريد أن تنهي اللقاء الذي انتظرته عاماً كاملاً، تنهيه بعد أن حولها إلى غول لا ينظر إليه إلا باشمئزاز. عاشت أياماً تنظر إلى نفسها في المرآة علها تغير تلك النظرة ولكنها لم تجد غير ما قال "لم تكوني كما توقعت" أصبحت تلك الكلمة ترن في أذنها، وبدأ هو بالابتعاد فلم تكن تكلمه إلا بين حين وآخر، فعلمت بأن الفراق قد حان ولابد لها من أو تواجهه وتعلمه بقرارها حتى تحافظ على ذرة الكرامة التي تبقت لها بعد كل ما فعل. (روح الله يسامحك ما أبي عذر منك ولا تبرير، أن بنساك من قلبي وأبيك اليوم تنساني، تراه أحسن لنا نذكر بعضنا دايم بالخير، ولا يطري لي عتابك ولا تطري على لساني)

اتصلت به في يوم مولدها وطلبت منه أن يعطيها عشر دقائق من وقته لأن هناك ما تود أن تقوله له، فطلب منها أن تتصل به ليلاً لأنه يشعر بالنعاس الآن ولن يستطيع أن يستوعب ما تقوله له فوافقت، اتصلت به ليلاً لتسأله سؤالاً واحداً؟ هل أحبها فلم يجب، أحست بمرارة الأسى فبادرته هل أحببت سارة ؟ فأجاب "نعم" فتأكدت حينها بأنه لا يعرفها ولا يحبها فطلبت منه أن ينهيا العلاقة ولكنه قال بأنه باق على العشرة بينهما، ولكنها أجابته بأن العشرة كانت مع سارة وليس معها فسكت وأردفت بأنها أحبته وتحبه وسيظل ذلك إحساسها لن يتغير بتغير الشخصيات والظروف وودعته قائلة بأن الوقت الذي طلبته منه قد انتهى ولن تطيل عليه وشهقت وهي تحاول أن تكتم عبرتها وتغلق الهاتف. ( ياللي معك كانت لي أجمل حكاية ، والحين مالي حس عندك ولا صوت) كانت ليلة باردة فاصطكت أسنانها ولكن ليس من البرد بل من الألم، بكت أياماً وليال ولكن لم تسمح لأحد بأن يرى دموعها وانكسارها، تمنت لو أنه يتصل مرة أخرى ويطلب منها أن تعود وأنه سيسامحها وتسامحه ويبدآ من جديد ولكنه لم يفعل حتى وقعت فريسة المرض ولم تخبر به أحداً، وبدأت في الانهيار وبدأت معها مرحلة جديدة من حياتها. (روح الله يسامحك ما عاد باقي وقت للتفكير،( يجي لك يوم تعرف فيه من يندم على الثاني).

في بداية تلك المرحلة كانت كمن يغرق في بحر لجي وتريد من ينقذها كانت هناك صديقتين ظلا إلى جانبها يواسينها ويخففن عنها وقع الصدمة، كتبت له وعنه، أصبحت خواطرها مقصد المحبين المكلومين، أصبحت خواطرها تبعث كرسائل بين العشاق فإن بها من المعاني ما يكفي لأن يعيد الحبيب إلى حبيبته وأن يسامحها إلا هو لم يقرأها ولم يسامحها وضعت تلك الخواطر على صفحات الإنترنت ودعت الله أن يقرأها ويعود إليها يوماً ولكنه لم يفعل فبدأت تكتب خواطراً تدل على كرهها له وفي نهاية كل خاطره تدعو الله أن يحفظه لها. كان لإحدى صديقتيها حبيب علم بقصتها وأراد أن يقف إلى جانبها فقبلت أن تحدثه علها تجد لديه السلوى ولم تشك به لأنه حبيب صديقتها وهي متأكدة من أنه لن يخون حبيبته وهي لن تخون صديقتها، فأصبح يرسل لها الرسائل بالبريد الإلكتروني رسائل كانت في مجملها عما يجب عليها فعله وأن عليها أن تسترد ثقتها بنفسها وتعلم بأن الزمن كفيل بأن يعالج جروحها، جاء مرة لزيارة حبيبته فهو من دولة خليجية، وطلب رؤيتها مع حبيبته لمجرد التعارف والسلام، وجاء معه بهدية لها كعربون أخوة وصداقة بينهما، سلمت عليه وجلست لبضع دقائق ثم استأذنت لتتركهما معاً ولتها لم تأتي، فمنذ لحظة أن رآها تغيرت طريقة معاملته لها فكما قلنا بأنها جميلة المنظر وتستهوي الرجال فبدأ بإرسال رسائل مختلفة عن الحب والجنس والشهوة، بدأ يتصل بها ويحدثها، فوجدت العزاء في حديثه عما حرمت منه وبدأت تستجيب له ولكنها تحس بالألم لما قد يحدث إن اكتشفت صديقتها ما يحدث بينهما ولكن قلبها المكتوي بنار الفراق لم يترك لها المجال لتفكر فانجرفت في التيار وقال لها "بأن ما جعل حبيبها يهجرها هو أنها لم تمكنه من نفسها وأنها رفضت أن تخرج معه وذلك كان من حقه لأنه حبيبها وليس غريباً عنها" لم تسأله من أعطى الحبيب ذلك الحق بل وافقته الرأي وبدأ في إثارة أنوثتها ووصف جمالها وهي تصدق ما يقوله دون تفكير إلى أن طلب مقابلتها دون علم صديقتها التي كانت مسافرة خارج البلاد في ذلك الوقت طلبت منه أن يعطيها فرصة للتفكير ولكنه قال بأن التفكير سيضيع منها أجمل اللحظات التي قد تستمتع بها معه فلم تطل التفكير ووافقت، جاء إليها واصطحبها إلى مطعم قريب من مكان عملها وطبعاً بدأ يوهمها بأن الحب يجب أن يبدأ بالجسد وليس القلب، وهي تستمع إليه بكل جوارحها وكانت ستبيع نفسها رخيصة إلا أن صحوة مفاجئة باغتتها عندما قال لها ما رأيك أن نذهب إلى غرفة بالفندق لنكون أكثر راحة وأمناً من ما نحن عليه الآن رفضت وطلبت المغادرة حاول أن يقنعها ولكن صورة حبيبها وهو يلومها كانت أمام عينيها فأصرت على الهروب والعودة إلى العمل.لم تسمع عنه شيئاً مع محاولاتها الاتصال به ولكنها اكتشفت بأنه لم يكن يريد منها إلا الجسد وليس عليها أن تنتظر أي شيء بعدها، لامت نفسها وتذكرت اعتداءات الماضي وكيف أنها رفضت أن تفعل ذلك مع حبيبها وارتضته مع حيوان استغل الوضع الذي كانت فيه وحاجتها لمن يبرأها من ألمها. أرادت أن تنتقم منه ومن نفسها لما فعلت ولكن كيف؟

غرف الدردشة مرة أخرى فهي السبيل للوصول إلى الشباب، فلا هي تستطيع أن تخرج من المنزل لتقابلهم في المراكز ولا تستطيع أن تخرج إلى الحدائق إذاً المكان الوحيد للقائهم هو الإنترنت، دخلت إليها وتعرفت على عدد كبير منهم وكانت تجذبهم عن طريق حلو حديثها، فمنهم من يصدقها ويقع في براثنه ومنهم من يتلاعب معها وتتلاعب به. أصبحت تجيد التمثيل وعندما يطلبون لقاءها تبدأ رحلة الهروب إلى الجديد، أصبحت تعلم الشيطان لبس الحرير، إن كان الشيطان يرسل أتباعه للوسوسة وكل واحد منهم له شخص واحد يتكفل به فهي تستطيع أن توسوس لعدة أشخاص في نفس الوقت دون الحاجة لأتباع يساعدونها، كان الشيطان يخر لها ساجداً تبجيلاً لتفكيرها، فكانت تكلم شخصاً وتبعث برسالة لآخر وترسل بطاقة لثالث وهدية لرابع وتتخير من يصغرها سناً وكأنها تريد أن تنتقم من حبيبها الذي يصغرها سنا في كل شخص تتعرف عليه. لم تعد تهتم إن كانوا في الدولة أو خارجها ولم تعد تهتم بفاتورة الهاتف التي تصلها شهرياً بالآلاف كل ما كان يدور في خلدها هو الانتقام وليتها علمت بأنها هي التي حصدت وحدها ما زرعت فهي التي أصابها التدمير الذي ابتغته لهم، لم تكن تخفي عليهم من هي ولم تكذب في حقيقتها كانت تصارحهم بمعلومات حقيقية عن نفسها ولا تهتم إن كانت تكلم صديقين معاً، حتى إنها في إحدى المرات كانت تتحدث مع خمسة أصدقاء يدرسون في الخارج ويعيشون مع بعضهم. أصبحت معروفة في غرف الدردشة وذلك بأسلوبها الممتع والذي يجذب إليها الشباب دون تفكير فهي تعرف كيف تصطادهم بكلمات بريئة، وأسلوب مهذب يحمل السم بين حروفه كانت تغريهم بثقافتها العامة التي اكتسبتها ونمتها وبرزانتها ورجاحة عقلها في معالجة الأمور، لم تكن تريد التعرف على من يكبرها سناً لمعرفتها من أنهم سيقومون بتقييد حريتها وكأنها بذلك تتذكر ما يقوم به إخوتها في البيت ولا تريده أن يتكرر خارج المنزل. أصبحت حياتها وشخصيتها هي تلك التي تتعامل بها على شاشة الحاسوب

شاءت الأقدار أن تتعرف يوماً إلى صاحب إحدى غرف الدردشة الذي أبدى إعجابه بها وبحديثها، علمت أنه عاطل عن العمل لأنه يبحث عن المميز، ولكنه يدير هذا الموقع والذي يملكه مع مجموعة من أصدقائه، أصبح يعاملها بشكل مختلف عن باقي الفتيات اللاتي يدخلن إلى ذات الموقع، أصبحت تساعده في إنجاح الموقع عن طريق جذب العديد من المستخدمين لغرف الدردشة الأخرى ولم تكن تعرف بأنه استخدمها لهذا الغرض فقط ولم ترفض مساعدته لأنها ساعدتها في التعرف على العديد من المرضى الساعين وراء الكلمة الخبيثة التي تبعث فيهم الارتياح المؤقت كالمسكن أو المخدر الذي لا يدوم مفعوله لفترة طويلة إلا ويحس المتعاطي بحاجته لذلك المخدر مرة أخرى.فيعود إليها مهما طال به الوقت وفي تلك الساعة تقرر هي إن كانت ستعود إليه أم ستعاقبه على ابتعاده. في معظم الأحيان فإنه يروق لها أن تعذبهم وتلومهم لتراهم يعتذرون لها عما بدر منهم، نعود لصاحب الموقع حيث أنه الشخصية الرئيسية في هذه الفترة، كان ينقطع ويعود إليها بين الحين والآخر معللاً ذلك بأن لم يسدد فاتورة هاتفه لضيق ذات اليد وكما قلنا سابقاً فإن صديقتنا هي المصرف المتنقل والتي يمكنها أن تقوم بسداد أي مبلغ لأي شخص محتاج فكيف وإن كان هذا الشخص هو فارسها لهذه الفترة من حياتها. هل تعرفون ماذا فعلت؟ قامت باستخراج بطاقة ائتمانية له !!نعم فعلت ذلك وقيمتها (عشرون ألف درهم) وقامت بسداد فاتورته الهاتفية التي بلغت (ستة آلاف درهم) وعندما سألته عن مكالماته قال بأنه يهاتف الشركة التي يستأجرون منها خط الموقع فصدقته في البداية لكن بعد ذلك علمت من أحد أصدقائه الذي تعرفت إليه بأنه كان يكلم صديقته الموجودة في إحدى الدول الخليجية فتوقفت عن سداد فاتورة هاتفه. في نفس الفترة حدث ما لم تكن تتوقعه صاحبتنا إذ كانت تحفظ اسم ذلك الشاب في هاتفها وفي يوم من الأيام كان شقيقها يبحث عن رسالة في هاتفها ووجد رسالتان من ذلك الشاب وهو يبعث القبلات لها وعرف بأنها تحدث شابا وأبلغ أخاها الآخر وشقيقتها الكبرى وجاء إلى مكتبها وطلب منها فواتير الهاتف التي كانت تحتفظ بها ورأى جميع المكالمات الدولة التي كانت تقوم بها واكتشف أخاها الآخر أنها هي التي أجرت المكالمات من المؤسسة التي يعمل بها وكذبت بشأنها ومع ذلك لم تتوقف عن مكالمته ولم تتوقف عن مساعدته حتى تتمكن من الإيقاع به لأنه كان السبب فيما تتعرض له من إخوتها وجاءت الفرصة عندما قام الفارس بمحاولة التعرف على صديقتها في الموقع وقام بإرسال نفس الصورة التي أرسلها إليها إلى صديقتها إضافة إلى أنه قد قام بإعطاء بطاقته الائتمانية والتي تحمل اسمها واسم عائلتها إلى أحد أصدقائه ليقوم باستخدامها واكتشفت ذلك عن مراجعتها للبنك حيث أبلغوها بأن البطاقة ليس بها رصيد. قامت بمواجهته والاستفسار عن صحة الموضوع الذي وصلها، فتملص في البداية ولكنها عندما واجهته بالحقائق بدأ بتهديدها بأنه سيفضحها أمام الجميع ولكنها لم تعطه تلك الفرصة وقامت بإبلاغ صديقتها التي قامت بدورها بنشر تفاصيل ما حدث في غرفة الدردشة حيث علم الجميع بما كان يقوم به ومن أين يأتي بالمال الذي يصرفه على الموقع، الجديد الذي أضافته تلك الحادثة على حياتها هو قيام الشاب بالاستعانة بالجن ليسيطر على صاحبة الحكاية والتي كانت تراهم دائماً في أحلامها وهي تتصارع معهم، إلا أنها كانت تقرأ القرآن دائماً في أحلامها حتى استطاعت التخلص منهم ومن ذلك الشاب معاً. بقي أن نعرف أنها استطاعت بالحيلة أن تسترجع بطاقتها الائتمانية منه قبل أن تقوم بفضحه أمام أصدقائه بأن طلبت منه أن يعيد إليها البطاقة لأن البنك سيقوم بتغييرها على أن تعيدها له بعد أن يتم التغيير وفي نفس الوقت اتصلت بالبنك وطبت منهم إيقاف جميع التعاملات التي تحدث باستخدام البطاقة بحجة ضياعها. وقبل خروجها من ذلك الموقع تأكدت أيضاً من أنه أغلق وأنها عضو في موقع جديد (الشر لا حدود له، والانتقام لا يعترف بالصبر).

لم تنتظر حتى تنسى وتتجاوز ما حدث لها بل قامت في اليوم الثاني بالدخول إلى الموقع الجديد وبنفس الاسم المستعار الذي اشتهرت به من قبل وكأنها تثبت بذلك للجميع بأنها لا تهزم أبداً وباستطاعتها أن تتجاوز كل الصعاب في وقت قياسي ولم تعلم بأنها تثبت للجميع بأنها مسخ آدمي يعيش حياته إلكترونياً فمشاعره وأحاسيسه تلك هي الموجودة على صفحات الإنترنت ولكنه في الواقع لا يحمل أياً منها، هي كذلك لم تعد لديها أية أحاسيس تحيى بها، لم تعد تحب أو تكره أصبح الحب لديها مصلحة، لم يعد لديها معنى له أو وجود لم يعد لأحد أهمية في حياتها، لم تصبح لحياتها أهمية لديها فهي قد تسلمها لأي شخص تجد لديه القابلية لاستلامها، ومن جهة أخرى فإنها على استعداد للدفع مقابل وجود شخص تريده أن يكون في حياتها، أصبحت تنظر إلى ما في يد غيرها، أصبحت تتعرف على الفتيات في غرف الدردشة حتى تعرف من هم أصدقائهن ثم تتخير منهم من لديه القابلية في الابتعاد عن محبوبته فتتعرف عليه، ولا يهمها بعد ذلك إن كانت ستكسر قلب فتاة أو أنها ستسوء سمعة شاب، لم يعد يهمها لقد أصبحت تبعد الأصدقاء عن بعضهم البعض لا لشيء إلا لأنها لا تريد أن ترى أي قلبين مجتمعين حتى وإن كانوا أصدقاء. أصبحت خطراً على كل من حولها، لها اسم رنان في عالم الإنترنت، الكل يعلم بأن حين تدخل فيجب على الجميع أن يقف ويبدأ في تحيتها هي، شخصية غير التي كانت تحياها في المنزل الشخصية الضعيفة الخائفة المترددة، المقهورة، والمغلوبة على أمرها.

في ذلك الوقت خطبت أختها الكبرى، كانت آخر ما تتوقعه هو أن تتزوج أختها الكبرى بعد أن وصلت لتلك السن، ولكنها كانت سعيدة جداً من أجلها ولكن كان هناك ما يؤرقها ففي يوم عقد قران أختها أصيب والدها بنكسة صحية فقد كان يعاني من سرطان المثانة إضافة إلى إصابته بجلطة جعلته مشلولاً استدعت نقله على وجه السرعة على المستشفى، كانت المشاعر مختلطة قلق وخوف وترقب لصحة الوالد وفرح لعقد قران الأخت الكبرى، أسبوع كامل وهي لا تعرف للنوم طعماً فكلما أرادت النوم أحست بأن هناك من يضغط على عنقها ليكتم أنفاسها ويقتلها وفي نهاية الأسبوع قال القدر كلمته، اتصلوا بهم من المستشفى وطلبوا من أخيها أن يأتي على وجه السرعة فعرفت بأنها النهاية ذهبوا جميعاً ولما دخلوا رأت عمها وأخوتها يقفون هناك إلى جانب السرير الذي سجي عليه الجسد الطاهر، جلست لتقرا عليه القرآن ودموعها تسبقها كانت تنظر إلى جهاز قياس نبضات القلب وهو يحسب نبضات قلبه، والممرضة تطلب الطبيب كل خمس دقائق، فجأة طلب منهم أخيهم الأكبر أن يقوموا للسلام عليه عندما قبلة جبينه أحست بجسمه البارد أرادت أن تدفئه ولكنهم لم يسمحوا لها بذلك، عادت لتجلس وتراقب الجهاز مرة أخرى إلى أن جاء الطبيب وقام بفحصه ثم استدعى الأخوة جميعاً إلى خارج الغرفة كانت تراقبهم ، تراقب شفاه الطبيب وهو يعلن وفاة والدها ومن ثم يأتي أخاها ليغطي الجسد، كانت تنظر إلى وجه والدها وهم يزيلون عنه الجهاز كان ينظر مباشرة إلى عينيها وهو يبتسم ترى هل كان راضياً عنها؟ بكته طويلاً وكثيراً وما زالت تفعل، بكته لأنها لم تمضي معه وقتاً طويلاً، بكته لأنها لم تحافظ على اسمهن بكته لأنها لم تتوقع أن يخطفه الموت منها سريعاً، بكته لأنها تمنت أن تكون مكانه و أن يبقى طويلاً ولكنها آمنت بأن الأخيار هم من يرحلون دوماً لأن الله يشتاق لهم كما يشتاقون إليه يرحلون لكي يبقى أمثالها يتيهون في الأرض حتى يبدوا الندم ولكنهم عوضاً عن ذلك يزيدون في طغيانهم ويتناسون بأن كل يوم ينقضي دون توبة أو ندم إنما ينقضي من أعمارهم وأنه لن يعود أبداً ولكن الله يمهلهم أكثر حتى يعودوا لصوابهم ولكنهم لا يفتئوا يمضوا لما نهوا عنه. لم تنسى والدها ولكنها عادت لتكمل مسيرة الضياع التي بدأتها، ولكنها كانت أقل حدة، بدأت تحس بالملل من ما تفعله، أخذت تبعد نفسها ولا تدخل إلى غرف الدردشة كما كانت بدأ ضميرها في التحرك وفي الإصرار على الابتعاد ولكن ما البديل والكل يطالبها بالعودة، أرادت أن تقتل ضميرها ولكنه صوت والدها الذي يرن في أذنيها صوته وهو يطلب منها العودة عما هي فيه، ووجدت من يعينها على ذلك، كانت قد تعرفت على صاحب الموقع الجديد الذي أصبحت شريكة فيه بمالها فأصبح لها نفوذ في ذلك المكان، كانت تجذب إليها شباناً كانوا أم فتيات فالكل يخطب ودها لأنهم يعرفون بأنها المحضية لدى الجميع ولها الكلمة المسموعة، بدأ يتودد إليها بالشعر فقد كان يعلم بأنها تحبه، وبدأ يسأل عنها أصدقاءه حتى يعرف عنها كل شيء ولم يوصله أحد لشيء فبدأ هو التعارف فسحت له المجال حتى يقول ما الجديد لديه فهي تعرف ما يريده وغيره منها ولكن قالت في قرارة نفسها تتوقع أن تسمع الجديد لديه، ولكنه كان كالآخرين لا جديد إلا أنه يريدها بقوة فقالت لما لا فأنا الآن لدي فراغ ويمكن أن يسعه وسأستمتع معه فترة ثم أبتعد كما أفعل مع الباقين دائماً ولكنه لم يكن يريد أن يبتعد بل كان يريد القرب أكثر فأكثر، كان يريد أن يتزوج بها، ضحكت في البداية من طلبه لأن من المستحيل أن تتزوج فهي تعرف في قرارة نفسها بأن أي رجل سيقترب منها سيعرف بأنا ليست عذراء ضحكت بينها وبين نفسها، ثم ضحكت أكثر عندما رأته فمن سابع المستحيلات أن يوافق أهلها على الزواج لأنه ليس بمستواهم الاجتماعي والثقافي ولكنها صدته بطريقة لطيفة لأنها كما تعلمون لا تستطيع أن تستمر في علاقة أكثر من أسابيع عدة.

طلب منها أن تبتعد عن الإنترنت لأنه يشعر بالغيرة من جميع الموجودين في نفس الموقع، وافقت على الابتعاد ولكن كيف تستطيع أن تنهي علاقتها مع صاحب الموقع المشاركة معه في العمل؟ أبقت الأمر سراً ولكن ليس لفترة طويلة حيث كان حبيبها في زيارة لصاحب الموقع والتقط هاتفه ليأخذ بعض الرسائل القصيرة منه ورأى رقم هاتفها موجوداً فسألها وأجابته دون أي خوف أو تردد وصارحته بأن ما بينهما كان علاقة عمل لا أكثر (ولكنها كانت أكثر من ذلك) أصر عليها أن تنهي العلاقة فوافقت لأنها بدأت تشعر بالملل من كل ما تفعله ورأت أنها في هذا السن لم تدخر أي مبلغ للأيام فافتعلت مشاجرة مع صاحب الموقع مع محاولاته استرضاءها إلا أنها أبت وقامت بتغيير رقم هاتفها الجوال وأصبح حبيبها الجديد هو الوحيد في حياتها في تلك الفترة. في ذات الوقت قامت بتغيير مكان عملها الذي أصبح معلوماً لمعظم الشباب الذين كانوا يعرفونها. حاولت أن تبدأ حياةً جديدة في المكان الجديد وعادت للدراسة حتى تحصل على شهادة البكالوريوس (شخصية عجيبة) وبالفعل بدأت تنجح في ذلك خصوصاً وأنها من النوع المحب للعمل المخلصة والمتفانية والمجددة فيه ولاحظ الجميع تميزها في ذلك إلى جانب طريقة تعاملها الجاذبة لكل من حولها وبالطبع ما كان ليرضي حبيبها فهو يريدها له وحده طوال الليل والنهار، لا يريدها أن تكلم أحداً غيره وإن كلمت فيجب أن يكون معها على الخط حتى يسمع ما تقول وما يقال لها لم يعجبها ذلك لأنها في بداية عمل جديد ولا تريد أن يؤخذ عليها بأنها تتحدث دائماً على الهاتف و تهمل العمل الذي تقوم به فبدأت المشاحنات بينهما حاولت أن تفهمه وأن تقنعه بأن لديها عمل يجب أن تنجزه ولكنه لم يكن يصدقها لأنه يشك بها ويعتقد بأنها تحدث أحد غيره وظل يلاحقها باتصالاته وعندما تقول له بأن لديها اجتماع ويجب أن تسرع يرفض أن يغلق الهاتف حتى يضعها في موقف محرج، لم يكن يوافق على قيامها بعمل السكرتارية لدى مديرها لأنه يغار منه ومن كل من يدخل إلى مكتبه، لا يريد أن يراها سواه أو أن يحدثها سواه.

أحست بأن الطوق بدأ يلتف كثيراً على عنقها ويخنقها، أصبحت لا ترد على اتصالاته إلا نادراً عندما تكون في العمل وتفتعل المشاكل حتى تستطيع أن تزيل الطوق الذي يخنقها وسبحان الله وكأنما الظروف قد وضعت لتخدمها في كل مرة، اكتشف أخاها الأصغر أنها تحدث شاباً مع إنها كانت قد حفظت اسمه كفتاة في هاتفها، ولكن الرسائل المرسلة كانت تبين أنه لشاب، ومرة أخرى استطاعت أن تنفذ من ذلك بسهولة وأقنعت أخاها بأن الرسائل موجهة لفتاة ولامت أخاها على شكه بها. ووجدت الفرصة للتخلص من حبيبها بعد هذه الحادثة وفعلاً طلبت منه الابتعاد حتى لا يثير لها المشاكل، المسكين لم يكن يريد الابتعاد ولكن صاحبتنا أرغمته على ذلك لأنها سئمت منه ومن كل القيود التي تحيط بها من كل جهة. ركزت جل اهتمامها على عملها ودراستها ولكن المعجبون الكثر لم يتركوا لها مجالاً فوجدتهم حولها في كل مكان في مقر عملها من موظفين ومراجعين الذين لا يريدون غيرها لتنجز لهم أعمالهم فهي خير من يقوم بذلك لما لها من خبرة في التعامل مع المراجعين. من ناحية أخرى فإن نبوغها السريع في العمل أثار غيرة بعض العاملين معها لأنهم أحسوا بأنها سوف تسحب البساط من تحتهم فبدءوا بتشويه صورة العمل والعاملين في نظرها، وصوروا لها الموظفين على أنهم وحوش لا يعرفون فن التعامل والعمل على أنه هم وشر لابد منه. بدأت تأخذ جانباً بعيداً عن الجميع حدث ذلك بعدما تعمد المقربون منها في حجب العمل عنها وعدم السماح لها بعرض عملها على مديرها فاكتشفت بأن هناك ما يحاك ضدها في الخفاء ولكنها لا تعرف مصدره. وعادت مرة أخرى للعبتها السابقة وقالت بما أن الجميع لا يريدها أن تعمل فلماذا تتعب نفسها فلتركز على دراستها وتجعلهم يفعلون ما يحلو لهم وعادت لتبحث عن التسلية في صفحات الإنترنت، ولكنها كانت قد سئمت من ذلك كله وتريد أن تعمل بجد لتعود كما كانت في فترة من الفترات، الفتاة التي يفخر الجميع بها، الفتاة التي إن وضعت هدفاً أمام عينيها قامت بتنفيذه وتحقيقه وإن كان ذلك على حساب صحتها التي لم تهتم بها يوماً فقد كان ذلك آخر ما تفكر به وتهتم له ولكن هيهات للزجاج المحطم أن يعود كما كان وللثوب الممزق أن يعود جديداً دون ترقيع الذي سيترك أثراً به. كما لو أن أمنياتها لها استجابة خاصة، مجرد نظرة أو كلمة منها تجذب إليها القلوب ولكن في هذا المرة أصبح المقربون منها هم المتزوجون الذين يحسون بأنوثتها المختبئة في نظرات عينيها لم تكن تفصح عن شيء ولكنه واضح في حركاتها وكلامها .. فكانت كذلك وذلك ما كان يجذبهم إليها كالآتي إلى حتفه، لم تكن لتعطيهم ما يتمنون ولكنها لا تصدهم كذلك فتبقي المياه بين مد وجزر (فإلى هذه المرحلة التي وصلت إليها لم تكن تستطيع أن ترفض).

أنهت دراستها ونالت شهادة وأصبح طموحها أكبر في الحصول على شهادة أعلى ولكن مسئوليتها زادت بزواج شقيقتها الأخرى ووقوع والدتها فريسة لمرض ألم بها أصبحت هي المسئولة عن كل شيء في المنزل، أصبح الاعتماد عليها يزيد يوماً بعد ليس فقط من الموجودين في المنزل ولكن أخوتها وأخواتها الذين يعيشون في بيوتهم أصبحوا يعتمدون عليها في أشياء كثيرة، أصبحت تسمع شكواهم وتحل مشاكلهم، كانت المسئولية ثقيلة ولكنها لم تمانع من تحملها دون أن تشتكي أو تبدي أسفاً أو تذمراً تجاه ذلك كله، لها قوة في إخفاء مشاعرها فلا يستطيع أحد أن يعرف فيما تفكر أو ماذا تريد أو ما هي خطوتها القادمة فكل ذلك كان في داخلها تستطيع أن تكتم دموعها وتبدي الابتسامة حتى أنها بدأت تحس بأنها لا تستطيع البكاء حتى وإن أرادت ذلك وهذا ما جعلها لا تنتظر شكراً أو تقديراً من أحد لأنها تعرف أنها الحياة التي ستعيشها فهي لا تملك خياراً آخر، فهي تعلم أن ليس من حقها أن تفكر في منزل أو زوج وأبناء مثل بقية الفتيات فهي لم تعد تملك مقومات ذلك أبداً. لكنها بقيت تشتاق إلى كلمة (أحبك) فهي لم تسمعها منذ زمن وتريد من يسمعها إن أرادت أن تشتكي أو أن يواسيها فعادت إلى غرف الدردشة علها تجد ما تريد ودخلت هذه المرة باحثة عن شخص في مثل سنها يمكنه أن يفهمها ويستوعب كل ما تحس به ولكنها عوضاً عن ذلك لم تجد إلا صغار السن الذين يبحثون عن دفء العاطفة والحنان الذي افتقدوه ولم يجدوا له بديلاً والعجيب في الأمر أن باستطاعتها أن تستوعب كل الموجودين وتفهم ما يريدون و تعرف ما ينقصهم وكيف تستطيع أن تعوضهم إياه جميعهم يريدون من يستمع إليهم وإلى شكواهم، لا يريد أن يسمعها أو أن يعرف ما تريد وما تحتاج إليه، الكل يجد لديها الصدر الرحب والأذن التي لا تكل الإنصات فاحتفظت بما تريد قوله في قلبها ولم تبده لأحد.فليس هناك من يهتم لما بها أو أن يريد معرفة ما تعانيه. المهم أنها في أثناء وجودها في غرفة الدردشة لفتت انتباه أحد الموجودين معها بنشاطها وقدرتها على الرد والسيطرة على زمام الأمور في الغرفة وكيف أن الجميع يود محادثتها، تقرب منها وحياها فردت عليه كما ترد على الجميع، فقام بإعطائها عنوان غرفة محادثة أخرى وطلب منها أن تزور موقعه فرحبت بالفكرة ودخلت في نفس الوقت، أراد الشاب أن تكون لها عضوية في الموقع الجديد ولكنها رفضت في البداية إذ أنها تعرف ما الذي سيحدث وهو ما حدث بعد ذلك بالفعل وسنأتي على ذكره بعد قليل. كانت محبوبة من الجميع في الموقع الجديد، الكل يمدحها ويريد أن يكون المقرب لديها وطبعاً الشاب الذي أدخلها إلى الموقع كان يريدها لنفسه لأنه اعتبرها مختلفة، رفضته لأنها تعرف نهاية الحكاية مسبقاً ولكنه أصر عليها علمت أن لا مفر من ذلك واعتبرته جانياً لنفسه وعليه أن يتحمل نتائج اختياره، لم تخفي عنه أنها تكبره سناً فقد كان الفرق بينهما كبيراً (7 سنوات) وهي ذات خبرة كبيرة في الحب وألاعيبه ولكنها لم ترد أن تحرمه من تجربة العلاقة معها. بدأ يسمع من أصدقائه كم هي نشطة وتتعامل بأسلوب مختلف مع كل الحاضرين وطلب منها أن تخفف من ذلك الأسلوب وتكون أكثر حرصاً وشده في التعامل، ولكنها تعلم بأن ليس باستطاعتها أن تقوم بذلك إذ أنها قد تعودت على أسلوب معين ولا تريد أن تغيره ولكنها وعدته بأن تكون أكثر حرصاً. حاول الكثيرون من أصدقائه أن يتقربوا لها ولكنها كانت تصدهم لعلمها بأن الشباب في مثل سنهم عندما يجتمعون فإن لا حديث لهم سوى فتيات الشات ومن منهن استطاعوا أن يوقعوا بها، فإن هي تعرفت على أكثر من شخص منهم فسيعلمون جميعاً بذلك ففضلت أن توقف هذه اللعبة وتكتفي بشخص واحد في حياتها.

الشاب الذي كانت تعرفه كان شديد الغيرة عليها ولكن بما أنها ذات خبرة وتعرف هذه الأمور لكثرة تجاربها فقد عرفت كيف تحتوي غيرته وغضبه دائماً ولأنها تعرف تأثيرها القوي على المحيطين بها فإنها استطاعت أن تجعل الموقع حيوياً في كثير من الأحيان وبعض الموجودين كانوا يدخلون في الوقت الذي تدخله هي فقط ليتحدثوا معها، حتى جاء اليوم الذي وجدت في بريدها الإلكتروني رسالة من شخص يطلب فيها التعرف إليها لم يكن ذلك جديداً عليها فقد تعودت أن تجد مثل تلك الرسائل ولكنها كانت مهتمة بصاحب الرسالة لأسلوبه المميز في التحدث معها ولغموضه البادي في حديثه، لم تمانع في التحدث إليه على أنها أخت له ولم تضع في تفكيرها أي شيء سوى ذلك لأنها فعلاً قد بدأت تمل من كثرة المعجبين والمحيطين بها، ولأنها لم تعد تستطيع أن تزيف إحساسها في كل مرة ومع شخص جديد في كل مرة، واستمرت معه إلى أن جاءها رقم غريب على هاتفها فلم ترد في البداية ولكن مع تكرار الرقم أكثر من مرة قامت بالرد وعندها جاءها صوت سألها عن شخص وإن كان هذا الهاتف لها ثم أنهت المكالمة بعدها سريعاً.

إحساس داخلها قال لها بأنها سوف تسمع هذا الصوت مجدداً لذلك قامت بحفظ رقم الهاتف ولكن ليس في ذاكرة الهاتف بل في ذاكرتها وانتظرت، وفعلاً جاءها الاتصال مرة أخرى ولكنها كانت نائمة فابتسمت عندما رأت الرقم وزاد تأكدها بأنها سترى الرقم مجدداً، وبعدها بأيام جاءتها رسالة إلكترونية تسألها إن كان صاحب الرسالة يستطيع الاتصال فقالت إنها كانت تعلم بأنك ستتصل وإن كان اتصالك قد تأخر، واتصل بها صاحب الرقم وأخذت في محادثته وطبعاً أهملت المتصل السابق الذي تعرفت إليه من خلال غرف الدردشة وأخذت في الابتعاد عنه شيئاً فشيئاً وفي نفس الوقت أخذت تستغل غيرة حبيبها صاحب الموقع وتختلق المشاكل معه حتى تنهي العلاقة معه لتبدأ رحلة جديدة وعلاقة جديدة مع شخص جديد وكأنها لم يكفها كل ما حدث في السابق وأخذت في الابتعاد عنه مع رفضه لهذا الابتعاد ومعاودته الاتصال بها وكأنها تتلذذ بتعذيبه ودائماً يراودها ذلك الشعور بعدم الثقة في أي رجل والرغبة في تعذيبهم وفي داخلها لم تكن تعلم من هو الذي يتعذب حقاً أهي أم الشخص الموجود في حياتها بدأت الخلافات تدب في الموقع وكالعادة أخذ الجميع في الخروج فأصيبت مره أخرى قررت عدم دخول هذا الموقع والابتعاد عن كل من فيه والاتجاه إلى مكان آخر فهي مقبولة أينما ذهبت وتستطيع بأسلوبها أن تدخل في أي حوار بسهولة ويسر. على أن يكون الشخص الجديد هو المفضل لديها فكانت له الأولوية في الاتصال والاهتمام، كانت تتحدث معه طوال الليل ومعظم ساعات النهار لأنه يريد أن يكون معها دائماً، كانت تنادمه وهو الذي باح لها بحبه من أول مكالمة له معها والتي استمرت حتى ساعات النهار الأولى، عندها أحست بشيء يعتصر قلبها لأنها أحست الصدق في حديثه معها وذلك إحساس قد نسيته من زمن طويل فلم يحرك ذلك الإحساس فيها سوى الحبيب الأول لا تعلم ما الذي جعلها تستجيب له فعاد حديثها معه كحديثها مع حبيبها الأول وكأنها قد وجدت شيئاً أضاعته منذ زمن بعيد، عاد الحب يهتف داخلها حب نقي طاهر افتقدته لزمن طويل، لم تكن تشعر بالوقت وهي معه أحبته بصدق وعاشت معه ليال ورديه غلب عليها الحب والعشق والغزل تمنت وهي معه أن يهبها الله عمراً جديداً لتبدأ به حياة ملؤها الطهارة والصدق مع شخص استطاع أن يحرك إحساساً ظنته ميتاً في داخلها لذلك بدأت في إبعاد الجميع من حولها لتكون له وحده لا يشاركه فيها أحد، وعدته أن تكون له وحده وأن تقوم بتغيير رقم هاتفها ولكن عليه أن يمهلها بعض الوقت لتقوم بذلك فوافق وكبر الحب بينهما لأنها أرادته أن يكبر لأنها رغبت به بشده.

و يشاء الله أن تقع والدتها طريحة الفراش وتصاب بنكسة صحية سيئة تضطرها للجلوس إلى جانبها لمراعاتها والمكوث معها في المستشفى، في تلك المرحلة كان الحبيب الجديد يسأل عنها دائماً ولكنها استأذنته بأنها لا تستطيع أن تحدثه كثيراً لأنها تجلس مع والدتها في غرفة واحده في المستشفى مما يجعل الحديث بينهما مستحيلاً ولكنها كانت تراسله دائماً، استمرا على هذا المنوال لمدة أسبوع إلى أن قال لها في يوم بأنه يريد محادثتها في أمر ضروري جداً فاستغربت طلبه ولكنها اتصلت به فسألها إلى متى ستظل العلاقة؟ سألته ماذا يقصد وعن أية علاقة يتحدث فأجابها عن علاقتها مع عبدالله صديقه الذي تعرفت عليه قبل أن يعرفها هو صعقت من جوابه وعن علمه بالعلاقة بينهما ولكنها فهمت ما دار بعد ذلك إذ علمت بأن عبدالله هو الذي أعطى حبيبها رقم هاتفها بناءً على طلب منه، فقد طلب منه أن يأتي إليه برقم هاتفها ودون أن يقوم بالتعرف عليها ولكنه أرادها لنفسه، أحست بإهانة تضربها في الصميم وبرغبة في الهروب من الحياة كلها لم تتخيل في يوم من الأيام أن تكون لعبة سهلة في يد أحد وزاد ألمها الشتائم التي انهالت عليها من الصديق عندما رفضت أن تتصل به أو أن ترد على اتصاله فقد كان يكيل لها الشتائم ويصفها بأقذع السباب وهي في قرارة نفسها تقول بأنها تستأهل ما تقرأه في رسائله الإلكترونية عبر هاتفها، لم تنم ليلتها من شدة الألم وعزمت على أمر واحد فقط (الابتعاد)، ما أن ظهر أول خيط للنهار حتى كانت تجلس في مكتب اتصالات لتقوم بتغيير رقم هاتفها والابتعاد عن الدنيا وعن لعبة الماضي وتبدأ حياتها الجديدة وحيده وتكون لعائلتها الأولوية فيها، فليس هناك من يستحق أن تبكي لأجله غيرهم، أن تعتني بأحد سواهم، وليس هناك ما يسمى حب في هذه الدنيا بين شاب وفتاة على الأقل من وجهة نظرها هي. (أسكت ولكن داخلي هم وأسرار، وين اللي يفهم سكوتي من عيوني، كأني سفينة تاهت في بحر الأقدار، وحدي وأحس الناس كلهم نسوني، حاولت أجامل في الهوى بس ما صار، كل ما أحب إنسان خيب ظنوني)

ما تطلبه صاحبة الحكاية الآن هو أن تحيا في سلام، أن تجد نفسها التي تاهت منها في يوم من الأيام، أن تنقي روحها، فبالرغم من كل ما تعرضت له ومرت به من تجارب، لا يزال في قلبها بقايا أمل لغد مشرق، لا يزال قلبها ينبض ببقايا حب للحياة التي تتمنى أن تجد فيها فرحة ولو بسيطة، لا تزال تؤمن بالفلسفة التي وضعتها لنفسها بأن كل شي متغير في هذه الحياة وليس بها شيء دائم.

كلمة أخيرة : إلى كل من يقرأ هذه الرسالة، إلى كل من شعر بالحقد والكره لصاحبتها، إلى كل من أحس برغبة في قتلها، إلى كل من شعر بالأسى على جميع ضحاياها، إلى كل من أحس بالحزن عليها، إلى كل من شعر بأنها ضحية ومجرمة في ذات الوقت، كونوا أصدقاء أبنائكم ..
 

عودة إلى بداية القصة   -   الجزء الأول

 

 

Back

AlShamsi Homepage

©1998 - 2005 Copyright AlShamsi.Net ™ , All Rights Reserved.