الجزء الأول

بدأت حكايتها مع التحدي منذ أول يوم عرفت فيه بأن عليها أن تواجه الحياة بمفردها ودون مساعدة من أحد. كانت الوسطى بين ثمانية أخوة شقيقتين وخمسة أخوة. كان والدها دائم الأسفار لتأمين حياة أفراد الأسرة الكبيرة ولسد احتياجاتهم التي لا تتوقف، لم تستمتع بوالدها ولم تشبع حاجتها من حنانه الكبير وذلك لغيابه الدائم ومع ذلك أحبته بقوة لأنها كانت ترى فيه الصمود والشجاعة والوقار والصبر والحب والحنان. والدتها لم تكن أقل منه في ذلك ولكنها تزيد عليه بصرامتها التي أكسبتها إياها الأيام حتى تواجه الحياة وحيدة أثناء غياب الوالد في أسفاره لتستطيع رعاية ثمانية أطفال والحفاظ عليهم. 

 

ترعرعت صاحبة الحكاية في منزل كبير عاشت به أكثر من أسرة وهي ما كانت تسمى بيوت الأسر الممتدة كان المنزل أشبه بخلية نحل لا تهدأ الحركة فيه أبداً ولم يكن يخلو من بعض المشاحنات التي أرقت المنزل ودعت كل من فيه إلى الانتقال إلى بيوت أخرى متباعدة. نعود لصاحبتنا ولنتحدث عن شخصيتها، منذ صغرها وهي تأمر فتطيع والويل لها إن لم تنفذ كان الشبان أكبر منها وأصغر منها وكان عليها أن تتحمل ما يفعله أخوتها بها، لم يكن لها أن تطلب أو أن تتمنى شيئاً، لم يكن لها أصدقاء إذا كان من الممنوع عليها أن تصادق أحداً، لم يكن هناك في البيت من هم في مثل سنها لتلعب معهم، لذلك فقدت منعت من اللعب في خارج المنزل مع من هم في سنها، كان الخروج ممنوعاً، والعذر بأن المنزل كبير ويمكن أن تلعبي فيه بمفردك، وإن أرادت أن تلعب مع الصبية فلن ينقضي ذلك اليوم دون أن تحصل على علقة ساخنة يمكن أن يضل أثرها لفترة من الزمن وهو ما كان يزيدها إصراراً على العناد والعودة إلى اللعب مرة أخرى مع نفس الصبية ولم تكن تعلم حينها بطبيعة لعبهم والتي أثرت في حياتها للأبد. 

 

كانت كثيرة الهروب من المنزل لا لشيء إلا لتجد من تلعب معه وهي في عامها السادس طفلة تبحث عن اللعب وعن اللهو في الحارة التي تعيش فيها، لم تذكر يوماً أنها شاركت الأطفال في أية مناسبة لأنها دوماً ممنوعة من الخروج واللعب حتى في الأعياد لم تكن تخرج معهم، حرمت من أبسط حقوق الأطفال كانت تلعب مع أطفال الجيران الذين كانوا من جنسيات مختلفة فكما نقول لم تكن تعرف عن اختلاف الجنسيات شيء فكانت تذهب إلى بيوت الآسيويين والذين كانوا يستغلونها للعمل لديهم كخادمة وهي لا تعرف معنى ذلك وكانت تنظر إليه كنوع من اللعب وكانت تذهب إلى بيت الإيرانيين لتلعب مع بناتهم حيث كان عددهم كبيراً وكانت تعيش معهم خالتهم تهتم بها وتحبها لأن الله لم يرزقها بأبناء فكانت تحن عليها وتلعب معها وتطعمها أحبتها السيدة كابنة وأحبتها هي كأم ولكن أيضاً في ذلك المنزل كان الصبي الذي اعتدى عليها للمرة الأولى. كانت هادئة لا تتحدث إلا قليلاً، ترى وتسمع وتستوعب ولكنها لا تتكلم كانت دائماً خائفة من شيء ما، تعتقد أنها لو تكلمت فسوف تضرب وإن لم يكن لها يد في أي شيء، كانت تخاف الضرب والإهانة وأشد ما يرعبها هي أن تكون في مكان واحد مع صبي لأنها تعلم بأن نهاية ذلك سيكون الاعتداء عليها وهي لن تستطيع أن تبوح بذلك لأحد لأنها تعلم بأنها ستضرب إما من قبل الصبي أو من قبل والدتها وإخوتها،كانت تربيتها قائمة على الخوف والترهيب والضرب، لم تكن تتمتع بأية حقوق وإنما عليها جميع الواجبات، ما تعرفه في حياتها كان النوم والأكل والعمل المنزلي منذ الصغر، لم يكن أهلها يثقوا بها ولم يبنوا بداخلها أية ثقة، كانت نظرات الاتهام دائماً في أعينهم ولم تكن تعرف لها سبباً، ولذلك نشأت وهي لا تستطيع أن تنظر في عين أحد فنظرتها مكسورة دائماً، نشأت وليس لديها ثقة بنفسها أو بمن حولها، دائمة الشك بالجميع، لم تكن تستطيع أن ترفض أو أن تقول كلمة (لا) لأي شيء فقد تساوى عندها الخير والشر، الصواب والخطأ وذلك أطمع من حولها بها وجعلها صيداً سهلاً في يد كل صياد وأولهم ابن خالتها وكان الوحيد الذي يعرف نقطة ضعفها وأنها لم تكن تستطيع أن تشي به لأحد ولم تكن تستطيع مقاومته لأنها جبانة. لم تكن تعرف ما هي العذرية وكيفية فقدانها ولكن ما تعرفه هو أن ما يفعله بها خطأ وإلا لما كان يختبئ بها عن أعين الناس وأنه مؤلم فلم تكن تستطيع التحرك بعدها. حتى عندما انتقلت إلى مسكن آخر كان يتبعها ليفعل بها الشيء ذاته ويتخير الأوقات التي لم يكن هناك أحد في البيت معها، كانت تحاول الهرب وتختبئ عند أختها في المطبخ ولكنه كان يطلب أشياء وتقوم هي بإيصالها مرغمة بأمر من أختها أو أمها وهي بالطبع لم يكن باستطاعتها أن ترفض لأنها لا تستطيع الاعتراف لهم بما سيقوم به. واستمر اعتداءه عليها سنوات عدة، حتى أذن الله وأبعده عنها قبل أن يحدث مالا تحمد عقباه وتحمل منه. طفولة بائسة لا تذكر منها سوى الألم والقهر وانعدام الأمن والطمأنينة في ظل والديها وأخوتها المفترض أن يمثلوا الأمان لطفله. 

لم يكن حظها من الجمال وافراً ولكنها كانت ذات جسد جميل أطمع من حولها بها. كانت عيناها تتحدث طوال الوقت ولم يكن الحديث ليخفى عن أحد فصفاء عينيها يوحي بما يجول في خاطرها، كانوا دائماً يعيرونها بأنها الأخ السادس في عائلاتها رغم أنوثتها الواضحة وفي المدرسة كانت تحاول أن تتجمل لتكون الأفضل بين صديقاتها ولكنهم كانوا يعرفون بأنها كاذبة إذ لم يكن واضحاً عليها ما كانت تتكلم عنه ولكنهم كانوا يتغاضون عن ذلك لعلمهم بنقاء قلبها وصفاء تفكيرها ونيتها. كانت دنيا الصداقة محرمة عليها فلم تكن والدتها توافق على أن تقيم أية علاقة صداقة مع أي فتاة وإن حدث وقامت إحداهن بالاتصال بها في المنزل فإن والدتها تطلب إلى الفتاة أن لا تتصل مرة أخرى أو أن تقوم بفصل الخط إن رأتها تتحدث مع إحداهن ومع ذلك فقد حاولت أن تجعل الصداقة مقتصرة على عالم المدرسة فقط. كانت الفتيات يقمن باستغلالها وهي قد تقوم بأي شيء يطلب منها لأنها تريد أن تستمر صداقتها بهن إلى أن جاء اليوم الذي طلب فيه شقيقها الأكبر منها أن تقوم بتعريفه على إحدى صديقاتها واكتشفت هي بأنه يعرف إحدى الفتيات التي كانت تحاول التقرب منها لمجرد معرفتها بشقيقها. ولأنها لم تكن تستطيع أن ترفض لشقيقها طلباً لأنها تعرف النتيجة مسبقاً فقد حاولت أن تقوم بتعريفه إلى بعض الفتيات اللاتي قمن بصدهن ورفض العرض لأنها لم تكن تلك التي تستطيع أن تقنع من أمامها بما تريد، فقد كانت خائفة من ردة فعلهن تجاهها، من ناحية أخرى فقد بدأت تتعرف على دنيا الحب الزائف والصداقة بين الفتاة والشاب، كانت تسمع من الفتيات عن الحب والهدايا والمكالمات والحركات التي تقوم بها الفتيات لجذب انتباه الشاب و ما يقوم به الشباب أمام المدرسة للفت الانتباه. كانت تتمنى أن تجد من ينظر إليها كزميلاتها، أن تقوم به بما تقوم به الفتيات ولكنها لم تكن تعرف كيفية القيام به وليس هناك من يعلمها فكل ذلك يأتي بالممارسة والخروج من جدران المنزل إلى الأسواق والمركز التجارية و وزيارة الصديقات والخروج معهن للتسوق أو إلى الحدائق وذلك بالطبع كان من المحظورات في حياتها، فهي لم تعرف من ذلك كله أي شيء كان خروجها الوحيد إلى المدرسة و ما أن تعود حتى تبدأ عملها إلى جانب أختها في المنزل حتى أنها لم تكن تقوم بواجباتها المدرسية لأنها لم تكن تجد الوقت الكافي للقيام بكل شيء في آن واحد. كانت في زهوة سنين المراهقة تقوم بعمل مضني في حظيرة الأغنام، حيث كانت تقوم بإطعامهن وتنظيف الحظيرة حتى اكتسبت خبرة ممتازة في كيفية التعامل معهن، حتى أنها قامت بتوليد الماعز وإرضاع الصغار منهن الحليب الصناعي في الوقت الذي كانت والدتهن ترفض إرضاعهن، مع كل ما كانت تواجهه وتعيشه لم تغب فكرة الحب عن بالها فقد كانت تعيش حياة ثانية من وحي خيالها وهي تتخيل نفسها أميرة متوجة على قلب أوسم الرجال في العالم، كانت ترسم لنفسها عالماً من الخيال حين يحين موعد نومها ، كانت تعرف بأنها ستكون على عرش مملكتها الخيالية ولن يستطيع أحد أن ينزلها لأن كل ما بنته هو لها وحدها ولأميرها الخيالي الذي تعيش معه أجمل الأحاسيس والمشاعر والحياة الوردية التي لا نهاية لها. كانت تنتظر حلول المساء لتكون وحيدة في مملكتها الخيالية، عشقت الليل وبدأت تحكي للنجوم ما يجول في خاطرها، رأت صورة الحبيب في وجه القمر و في كل مرة كان الحبيب يحمل صورة مختلفة لأنها كلما ترى شاباً يحمل بعض المواصفات التي تتمناها حتى أنها قامت بحبسهم جميعاً في غرفة من الخيال حتى تقضي ليلتها مع واحد منهم في كل ليلة. تلك كانت أفكارها وهي في عامها الحادي عشر حتى جاء إليها القدر بهديته التي تمسكت بها بكل ما أوتيت من قوة، صديق أخاها لم ترى من هو أكثر وسامة منه رأته في البداية بجانب منزلهم، أولاها النظرة التي ترتجي، خفقت كل مشاعرها نسيت حينها أنها تنظف حظيرة الأغنام وأحست بنفسها في مملكتها الخالدة معه هو وحده، كانت جميع المواصفات التي تمنتها موجودة فيه، بادلها النظرة لفترة طويلة، وهي تختلس النظر إليه بوجود والدتها وأختها، تمنته لها وحدها ولكن كيف السبيل إليه. ظلت ليالي وأيام تحلم برؤيته مرة أخرى، كان يأتي لزيارة أخيها بين الحين والآخر ولكنها لم تكن تستطيع رؤيته. أخذ الحلم في التلاشي لعلمها بعدم إمكانية حدوثه ، ولكن تلك لم تكن مشيئة الله وقد شاء القدر أن يفرحها وأن يضع بين يديها رقم هاتفه، نعم إنه هو هذا هو هاتفه وأسمه قد كتب عليه فماذا تنتظر، بدأت ترتجف وتحس بكل نفس يدخل ويخرج من صدرها من شدة الفرح والخوف، التساؤلات جعلت في رأسها دوامة حتى أصيبت بالصداع هل تتصل أم لا؟ وإن اتصلت فهل سيرد عليها أو سيغلق الخط؟ هل سيقوم بإخبار شقيقها أم لا؟ والسؤال الأهم هل ستعجبه أم لا؟ كل ذلك كان يجول في بالها ولكن الأقوى منه أنها تريده، تريد ذلك الشخص، فإذا كان بتلك الوسامة فالأكيد بأن صوته أجمل بكثير وأرق وأدفأ، "سوف اتصل لمرة واحدة لأسمع صوته فقط لمرة واحدة وبعدها ليكن ما يكون فليس هناك ما ستخسره إن هي جربت لمرة واحدة" تلك كانت فكرتها "ألو" أغلقت السماعة بسرعة لأن يدها لم تقوى على حملها من شدة الخوف هل كان هو؟ لم تتعرف على الصوت جيداً، "سأتصل مرة أخرى وأكون أهدأ في هذه المرة وسأسأل عنه" ألو"... ألو، مرحبا" علي موجود؟ " أنا علي منو؟" إنه هو هو يا إلهي هل كان ينتظرني؟ إن صوته جميل ما زال يسأل منو؟ "أنا أنا معجبه" هل هذا هو الجواب؟ اعتقدت بأن الجواب قد أعجبه لأنه استرسل في الحديث معها وهي لم تكن لتصدق ما يحدث سألها فجأة ما أسمك؟ ماذا عليها أن تقول؟ هل تقول له اسمها الحقيقي أم تعطيه اسماً مستعاراً؟ كل تلك الأفكار كانت تدور في خلد طفلة في الحادية عشرة فهل يعقل ذلك؟ أعطته اسمها وابنة من هي ولكن بعد أن أغلقت الهاتف تساءلت هل يعقل بأنها قامت بذلك؟ تحدثت إليه واستمع لها، وعدته بمعاودة الاتصال ووعدها بالاستماع والتواصل كيفما تشاء، عاشت معه أجمل اللحظات وحاولت الاستمتاع بها على قدر استطاعتها، تحدثت معه لفترة طويلة وكانت تلتقي به عندما يقل أخته من المدرسة، في نفس الفترة أصبحت تهتم بنفسها وأنوثتها التي ظهرت باكراً وكانت تقوم بذلك تقليداً للفتيات اللاتي تقوم باستمالتهن للتعرف على أخيها وكانت تختلق الأكاذيب لجعل أخيها أمير أحلام الفتيات الذي لا يمكن مقاومته.

 

 في المرحلة المتوسطة حدث ما لم تكن تتوقعه إذ جاء الأمر بعدم الذهاب إلى المدرسة والجلوس في المنزل "ستتركين المدرسة وتجلسين في البيت" أمر من أخيها الأكبر لماذا؟ ماذا حدث؟ ألن أرتدي الزي المدرسي مرة أخرى؟ ألن أحمل كتبي وأركب الحافلة مع زميلاتي؟ لن أرى حبيبي، لماذا؟ لقد رضيت بأن أكون الأقل في كل شيء، لقد رضيت بعدم المساواة مع زميلاتي في أي شيء، فلم أكن أقوم بأي نشاط مدرسي، لم أذهب إلى الرحلات المدرسية معهن لم أحمل سوى كتبي المدرسية وحلمي الوردي بإنهاء الدراسة، فلماذا الحرمان؟ كتمت تساؤلاتها وتركت الدموع تجري لتغسل همومها وجاءها الجواب دون أن تطرح سؤالاً، لقد وشت بك إحدى صديقاتك، تقول بأنك قد قمت بتصويرها وإعطاء الصور لأخيك الذي أعجب بها، "ولكن ذلك لم يحدث كانت أكاذيب افتعلتها لأجعل الفتيات يتعرفن بك" كان ذلك الجواب يصرخ مدوياً في داخلها ولكنها لم تستطع البوح به لأنها تعرف مصيرها المنتظر فالضرب كان بانتظارها إن هي قاومت أو ناقشت وكعادتها الجبانة اكتفت بالقبول ، ولكن الحبيب كيف السبيل إلى رؤياه، وأصبح الهاتف من المحرمات عليها، انتهى الحب وابتعد الحبيب وعادت للأحلام والوحدة ومناجاة النجوم ورؤية وجه الحبيب على سطح القمر. حاولت أن تتخطى محنتها بإتقان أعمال المنزل واستطاعت ذلك، صدق من قال بأن القوة تستمد من الضعف، جلوسها في المنزل أعطاها الفرصة للقراءة، فكانت تقرأ أي شيء يقع تحت يديها، كانت تحب الروايات والقصص، تعلمت منها الكثير ولكن الفراغ في قلبها مازال موجوداً ويؤرقها فما العمل؟ ليس لها صديقات، لا خروج ولا زيارات ولا رحلات، في سن الرابعة عشر كررت المحاولة فتحت قلبها لزيف الحب مرة أخرى وهذه المرة اختارته عشوائياً، كانت تتصل على أرقام لا تعرفها إلى أن جاءها صوت راق لها وراقت له تحدثت معه لفترة من الوقت ولم تكن تعلم الغبية بأن أخاها قد لاحظ ما كانت تفعله فقام بالتسجيل لها حتى يثبت عليها الجريمة أمام والدتها، وجاء وقت الحساب ولأول مرة تجد الجرأة في نفسها لتواجه والدتها، صرخت في وجهها " لقد حرمت من الدراسة بسبب جرم كان ابنك السبب قيه، وحرمت من الصديقات ومن الخروج ومن الحصول على ما أريد وأتمنى مثل باقي الفتيات، فجدي لي ما أفعله غير عمل المنزل والرزوح تحت وطأة العمل اليومي في حظيرة الأغنام، فأنتم السبب لما وصلت إليه. كانت تلك آخر الكلمات التي قالتها لمدة ثلاثة  أشهر، فلم يكلمها أحد من حينها، تمت مقاطعتها من الجميع، الأخوة لأنها كانت في نظرهم مجرمة خانت الأهل وقامت بشيء محرم، ومن قبل الأخوات لأنهم كانوا يخافون أن يحل بهم نفس العقاب دون ذنب، وأكبر المعاقبين لها كانت والدتها التي لم تكن تنظر إليها وكأنها لم تكن موجودة على الإطلاق "أصبحت نكرة" فتاة في الرابعة عشرة تعيش منبوذة وكأنها وباء ولعنة في منزل يعج بالحركة، تقضي صباحها بين المطبخ وغرفة الغسيل وفناء المنزل للتنظيف وبعد الظهر في حظيرة الأغنام حيث تقوم بإطعامهم وتنظيف الحظيرة، ومساءً مساعدة أختها في إعداد العشاء طبعاً دون حديث ثم تنظيف المطبخ والذهاب للنوم الذي كانت تجد فيه سلوتها الوحيدة حيث الأحلام والقصور والشهادات العليا والأمراء والحب.

 

 مضت بها الأيام وهي على حالها تلك تقتنص بعض الأوقات لتعيش حياة الترف بين الروايات والحكايات والقصص التي تقرأها، لم تكن تكف عن الحلم وكانت واثقة بأن الحلم سيصبح حقيقة في يوم من الأيام فقد اعتمدت فلسفة في الحياة بأن لا شيء دائم وكل شيء مسيره إلى التغيير في يوم ما، مع كل الظروف التي أحاطت بها فهي فتاة لم تعرف اليأس يوماً قامت بتطوير نفسها واستخراج الطاقات الكامنة لديها. أصبحت متحدثة بارعة لأنها كانت تحدث نفسها طوال الوقت وبدأت بالكتابة كانت تكتب عن الحب والغزل والعشق وهي في تلك السن لأنها شبت وهي معشوقة الصبية ومع أن وجهها لم تكن به تلك الفتنة التي تبهر، ولكنها تحمل عينان صغيرتان بهما صفاء غريب وعلى خديها كانت هناك حمرة تزيد سمرة وجهها جمالاً وغموضاً، أصبح سنها سبعة عشر عاماً "سبع سنوات عجاف عاشتها صاحبتنا في المنزل لم ترى خلالها التطور الذي حصل في البلاد، كان خروجها متباعداً قد تمضي عدة أشهر قبل أن ترى الشارع وكان خروجها إما لبيت خالتها الكبيرة في السن أو لبيت خالها لزيارة جدتها، وطبعاً لم يكن هناك فتيات لتمضي معهن الوقت. بنات خالتها اللاتي يسكن إلى جوارهن كن الوحيدات اللاتي تستطيع زيارتهن في كل أسبوع مرة.

 

 سألها أخاها الثاني مرة هل تريدين أن تعودي للدراسة؟ خيل إليها بأنها تحلم كانت مؤمنة بتحقيق الحلم مهما طال الوقت، أجابته بنعم ، أريد ذلك ولكن الخوف من رد فعل والدتها وأخاها الأكبر تجاه هذا الأمر، قال لها لا عليك من والدتك فأنا كفيل بها ولكن ما حكاية الصور أصدقيني القول؟

 

قلت له الحقيقة كاملة، فعذرها لأنها كانت طفلة وأمام تيار التهديدات كان طبيعياً أن أقوم بذلك. في اليوم التالي قام بتسجيليها في صفوف التعليم المسائي مع شقيقتها الكبرى التي لم تدخل المدرسة يوماً، عادت لنفس المدرسة التي غادرتها، كل شيء جديد بالنسبة إليها، تغيرت المدرسة، المدرسات، الطالبات، المنهج الدراسي ولكنها كنت مصممة على النجاح والتفوق من العام الأول، لم تستطع أختها التأقلم مع المدرسة فلم تكمل أما هي فقد حصلت على المركز الثاني في كل عام وحصلت على شهادات التقدير لتفوقها وسلوكها فقد عاهدت نفسها أن تكون فتاة جديدة وأن تكون صادقة مع نفسها أولاً ومع من حولها وفي العام الأخير من الثانوية العامة حصلت على المركز الأول على مستوى المركز الذي كانت تدرس به، حصلت على أعلى نسبة، أثبتت للجميع بأنها ناجحة وبأنها تستطيع أن تكون لنفسها مركزاً متميزاً، أثبتت لأخوتها جميعاً بأنها ناجحة ومن أنهم يجب أن يفتخروا بها بعد أن كانت بينهم نكرة لا تساوي شيئاً، جاءتها الهدية من والدتها وشقيقها الأكبر كانت تلك الهدايا برغم بساطتها هي أعظم ما حصلت عليه. بدأ الحلم الثاني في الظهور إلى الواقع " الدراسة الجامعية" ناقشت والدتها فوافقت سألت إخوتها جميعاً فلم يعارضوا لأنها أثبتت جدارتها، لم تكن تعرف التردد، اندفاعها في وجه الأمور ومواجهتها أوجد في داخلها قوة غريبة للتحدي. دخلت الحياة الجامعية، نسيت كل شيء ، نسيت بأنها أنثى، تخلت عن أنوثتها فلم تهتم بأن جمال جسدها قد تلاشى بين كتل اللحم التي اكتسبتها، فلم يكن ذلك مهماً بالنسبة لها، لم يكن مهماً أن تلبس كما تلبس الفتيات في الكلية معها وأن تضع مساحيق التجميل كما يفعلن ولكن ما أهمها أن تنجح، أن تثبت مرة أخرى بأنها تستطيع أن تحصل على شهادة جامعية.

 

 أحبها الجميع زميلاتها ومدرسيها، كان لقبها بينهم "ماما" الكل عرفها به لشدة حنانها واحترامها للجميع، كانت محط الثقة والأنظار حتى تم اختيارها في العام الأول كالطالبة المتميزة بين الطالبات، عندما نودي باسمها بين جموع الطالبات لم تصدق بأنها المقصودة، أحست بأنها تطير كالفراشة على خشبة المسرح، أحست بأنها النجمة الأولى في العرض وأن الأضواء مسلطة عليها، ومرة أخرى تثبت بأنها الأفضل، توالت سنين الدراسة وهي تحصل على أعلى الدرجات ويتم تكريمها كل عام بين الطالبات المتميزات، قامت بمشاريع عدة نالت استحسان الجميع  خطاها واثقة تعرف أين ستكون خطوتها المقبلة، وها هي السنة الأخيرة، سنة التخرج كانت السنة مميزة لما فيها من صعوبة وتميز، كانت مقبلة على النجاح والتعلم انبهرت بالتكنولوجيا الجديدة القادمة من عالم الغرب " الإنترنت" تلك الشبكة العنكبوتية التي جعلت العالم يبدو كقرية معلوماتية صغيرة، أحبت التعرف عليه ومعرفة أسراره وخباياه، ساعدها في دراستها كثيراً لكنها رأت الطالبات يستخدمنه في شيء آخر فما هو ذلك الشيء؟ فتيات يتحدثن مع شبان من دون أن يسمعوا أصوات بعضهم البعض ودون أن يعرفوا أسماءهم الحقيقية !! كيف ذلك؟ غرف للدردشة يجتمع بها الشبان والفتيات للمحادثة على أن يتم التعارف بينهم بأسماء مستعارة ودون معرفة شخصية للشخص الذي تتحدث معه إلا إذا رغبت بذلك فتتطور العلاقة إلى التعارف التام عرفت حقيقة الموضوع فرفضتها لأن ذلك قد يؤثر على دراستها، حاولت إثناء صديقاتها عن القيام بذلك ولكنها لم تستطع حتى استطاعوا أن يؤثروا عليها، قامت بالدخول إلى موقع للمحادثة وهي في سن السادسة والعشرين دخلت تحت اسم مستعار "سوسو" وبدأت الرسائل تصل إليها وجاء إليها سائلاً لماذا استخدمي اسمي؟ ، أجابته هل أسمك هو سوسو؟ قال بأن اسمه سعيد واسم الدلع هو سوسو أعطته اسما مستعاراً لمعرفتها بأن العلاقة لن تدوم أكثر من دقائق يتحدثون خلالها ثم يذهب كل منهم في طريقه، ولكنها في نهاية المحادثة طلب منها أن تأتي في اليوم التالي في نفس الموعد لأنها جذبته بعذب حديثها وطريقة كتابتها المحترمة والتي لم يتعود عليها مع باقي الفتيات. أحست بالفخر والزهو والحقيقة أنها لم تكن تصطنع ذلك الحديث ولكنه كان حقيقياً ففي سنها تلك كان حديثها متزناً وحلواً، به تستطيع أن تلين القلوب المتكبرة وتلك موهبة نمت بها إضافة إلى أن حديثها لا يخلو من الظرف والفكاهة فلا يستطيع من يتحدث معها إلا أن يطلب منها المزيد وكذلك فإنها تتمتع بالقدرة على الاستماع وعدم الملل من محدثها مما يجعلها متميزة من جميع النواحي.

 

 وعدته أن تأتي إن سمحت لها ظروف دراستها، لم تدخل إلى الموقع لعدة أيام وكأنما نسيت الوعد أو تناسته، ولكنها دخلت بعد مضي مدة وما إن رأى اسمها المستعار حتى جاء إليها معاتباً يسألها عن سبب غيابها؟ فقالت بأنها كانت منشغلة بدراستها حيث أن تلك السنة كانت السنة النهائية وبأنها لا تملك الكثير من الوقت حتى تنهي جميع المتطلبات، فقال لها "بأنه انتظرها طوال المدة الماضية" فاستغربت؟؟!! "ولماذا تنتظرني؟" أجابها "بأنه قد تعلق بها ويريد محادثتها أكثر" زاد استغرابها فهي لم تتحدث إليه سوى مرة واحدة وكانت لفترة بسيطة فكيف بدأ بالتعلق بها؟ وأعاد لها السبب بأنها مختلفة في كل شيء؟ أرادت أن تصدقه ولكنها أحست بأجراس الخطر تدق في رأسها وأصوات الإنذار تعلن الخطر القادم الذي ابتعدت عنه طوال سنوات دراستها الفائتة، وتعلن لها بأن الطريق المتبقي في الحلم الثاني لم يبقى منه شيئاً فإياك والزلل، ولكن ذلك الإحساس المكبوت والذي خنقته في الوقت الذي قررت فيه أن تكون إنسانة جديدة بدأ بالنمو، بدأ بالتحرك والتهيج والثورة، أحست بنبض قلبها من جديد، أحست بتدفق الدماء الساخنة في أوردتها بعد أن جمدتها الأيام، فاستجابت لها.

 

 طلب منها أن تعطيه عنوان بريدها الإلكتروني فأجابته بأنه لا يوجد لديها ما يسأل عنه ولكنها ستسأل إحدى صديقاتها أن تقوم بتصميم واحد لها وسوف ترسل له العنوان بعد أن أخذت هي عنوانه البريدي، وبالفعل بدأت المراسلات بينهما، ومن أول رسالة بدأ يستفسر عنها وعن شخصيتها، لم تكن لتقول له الحقيقة لخوفها من المجهول ولإحساسها بأن تلك العلاقة لن تستمر، هل تودون معرفة ما قالت عن نفسها؟ إليكم الإجابة " قالت بأن اسمها ساره وبأنها في الثانية والعشرين من عمرها أي أنها تصغره بعام واحد وفي الواقع أنها كانت تكبره بثلاثة أعوام وهي مطلقة وبأن زوجها كان يعاملها معاملة قاسية وأنه كان يضربها باستمرار ولذلك لم يستمر زواجهما سوى ستة أشهر ثم تم الطلاق بينهما، تعاطف معها كثيراً وأعجب بها وتعلق بها تعلقاً شديداً، وبادلته المشاعر ذاتها، وفي كل مرة كانت تود أن تبوح له بالحقيقة ولكنها كانت تخاف أن تفقده وليتها فعلت من البداية.

 استمرت علاقتهما إلى أن جاء اليوم الذي طلب فيه منها أن تحادثه هاتفياً، رفضت لأنها لم تكن تملك هاتفاً نقالاً أسوة بصديقاتها، وذلك كان محرماً عند أهلها إلى أن تتخرج وتعمل إضافة إلى أنه كان يدرس خارج الدولة فلم تكن تملك ثمن المكالمات التي ستقوم بها. ولكنها لم تصارحه بذلك وإنما طلبت منه الصبر إلى أن يعود إلى الدولة ووعدته أن تقوم بالاتصال به من الهاتف العمومي الموجود في الكلية، وافق مرغماً وقال بأن عودته للبلاد ستكون قبل إجازة رأس السنة فانتظرا تلك الإجازة كليهما بفارغ الصبر، وطلبت منه أن يهنئها بيوم مولدها عندما تتصل به لأنه سيكون خلال تلك الفترة ووعدها بذلك. ظل التواصل بينهما دائماً لا ينقطع يومياً إما في غرف المحادثة أو عبر الرسائل الإلكترونية اللذين كانا يتبادلانها يومياً. في رسالته الأخيرة قبل عودته إلى البلاد أرسل لها رقم الهاتف الذي يمكن أن تجده عليه في حال قامت بالاتصال به، وجاء اليوم الموعود وحانت اللحظة، وها هي تقف أما الهاتف وتمسك السماعة ولكنها تسمع في أذنيها طنيناً كأن جيوش النحل قد احتلت عقلها فوضعت السماعة مرة أخرى إلى أن هدأت واستجمعت قواها مرة أخرى وعادت لتحمل السماعة وطلبت الرقم، الهاتف يرن ولكن الطنين عاد مرة أخرى إلى أذنيها فلم تكن تستطيع أن تتبين صوت الرنين من صوت الطنين، ولكنها سمعت أخيراً صوتاً آخر فهناك من يرد عليها، أجابت بصـوت متقطـع ولاهـث كأنما قد جـرت حـول العـالـم عـدة مـرات " صباح الخير،ممكن أكلم سعيد؟" " صباح النور منو معاي؟ نعم أنا سعيد، قالها بصوت ضاحك وكأنه يستفزها بطريقة لذيذة، ضحكت من سؤاله وزاد ذلك من غنجها ودلالها وعذوبة صوتها ولكنها أبت إلا أن تبادله الاستفزاز بمثله فقالت " أنا معجبة تود التعرف عليك وأن صوتك قد أعجبها" أعجبته الإجابة وبدأ الحديث واستمرا لبضع دقائق وقبل أن تغلق الهاتف قد تحولت إلى إنسانة أخرى، إنسانه مليئة بدفء المشاعر والأحاسيس، إنسانة بدت على ملامحها مظاهر الحب أحبت كل شيء فيه، وفي كل مرة كانت تتحدث فيها معه كانت تلك المظاهر تظهر جليةً على محياها حتى لاحظتها كل من حولها، مع أنهما لم يكونا يتبادلا كلمات الحب أبداً فيما بينهما، فقد كان حديثهما مقتصراً على أمور عامة وأحاديث الدراسة والغربة وعن طريقة معيشته في الخارج. لم يكن يؤرق إحساسها بالحب سوى الإحساس بالذنب لعدم اعترافها بحقيقتها أمامه.

 

سألتها صديقتها يوماً ماذا حدث لك؟ قالت لا أعلم ولكني أحس بدفء يشملني ويجعلني أعيش في دنيا عجيبة ليس بمثلها دنيا، وفي يوم أزهرت الدنيا فيه وامتلأت فيه فرحاً، كانت تتحدث معه إلى أن خرجت منه وبعفوية شديدة كلمة "حبيبتي" ذهلت وتوقف الزمن عند سماعها لتلك الكلمة منه خرجت منه بعفوية ولم يستطع إيقافها، فسألته "ماذا قلت؟" أجابها بأنها سوف تسمع تلك الكلمة منه مراراً، عندها فقط استجمعت كل قواها وقالت له هل لي أن أقول لك شيء؟ فأجابها نعم وبكل ما بها من مشاعر ونبض وإحساس قالت له " سعيد أحبك" فأجابها على الفور "فديت روحج" لم يستطيعا أن يقولا شيء بعدها وكأنما العالم كله قد وقف تبجيلاً ليسجل تلك اللحظة، وبدأت علاقتهما تأخذ منحى آخر منذ ذلك اليوم فلم تكن تناديه إلا بكلمة حبي، حبيبي، غناتي، وهو كان يناديها دائماً بكلمة عمري وحياتي. لم تحبه حباً طفولياً بل أحبته حباً ملك عقلهاً وقلبها وروحها ووجدانها. (إذا كان هناك من تحب، فلا تنتظر للغد لتقول له بأنك تحبه، فغداً ربما لن يأتي أبداً).

 

 طوال فترة وجوده في الدولة كانا يتحدثان يومياً بالهاتف، وكانت تتساءل دوماً إن هو غادر فكيف السبيل للوصول إليه، كانت تناشده بعدم السفر ولكنها تعلم بأن دراسته هي الأهم وعليه أن ينهيها هو كذلك قد أخذ الحب منه مأخذاً كبيراً فأصبح يشتاق لها كثيراً ويطلب منها أن تتصل به دائماً لا يريدها أن تتحدث في أي شيء إلا في الحب وهي قد وهبت منطقاً عذباً وحلواً، فيمكنها أن تذيب المشاعر بجملة وتجعل من يسمعها يتأجج ناراً في الحب، كانت تستطيع أن تلهب مشاعر من تحدثه وإن كان حديثها عادياً لا يحمل سمة الحب، بها غنج ودلال وإن لم تكن تقصده فهي قد رزقت تلك الطبيعة الأنثوية الفاجرة. وجاء يوم الفراق، لم تحس يوماً بلوعة كما أحست بها في ذلك اليوم، قال لها بأنه لا يعلم أين سيكون سكنه لأنه انتقل من الولاية التي يدرس بها وما أن يستقر به المقام حتى سيرسل لها رسالة بالبريد الإلكتروني وذلك ربما يأخذ منه يومين أو ثلاثة، توسلت إليه ألا يطيل عليها، وإن استطاع أن يرسل لها رسالة واحدة ليطمئنها عليه لحظة وصوله فقط، فوعدها بذلك. بكت وكتم دموعه وهما يتوادعان عندها قالت (مع شروق شمس وبدء يوم وغياب شمس ونهاية يوم، نقابل أشخاص ونودع آخرين، نذكر بعضهم وننسى بعضهم ولكن أنت ما إن أشرقت الدنيا في عيني لأول مرة حتى أشرق معها حبك وانتظرني ليوم ولادتي حتى يصبح نبض قلبي فبه أحيا وبدونه أموت ) ورحل.

 

 مضى يومان عانت خلالهما ألم الفراق وعذابه  قبل أن تستلم منه رسالة يبث فيها وجده وحبه وكيف أنه قد فارق جزءاً من روحه وأنه لم يحس بذلك الألم من قبل ويسألها إن كانت تحس بذات الألم، أجابته بأن دموعها لم تفارقها منذ لحظة وداعه، ترجاها بأن لا تبكي لأنه لا يستطيع تحمل دموعها وأنه ضعيف أمامهما وكرر لها بأنه يحبها ويحبها كثيراً وبأن أصدقائه قد لاحظوا ذلك عليه وأنه عندما يقوم بحضن أحد أصدقائه فإن الأخير يتمنى لو أنه يطيل ذلك معه لأنه يحس بأن حضنه يحمل حنان وحب ودفء العالم أجمعه وهي لم تكن أقل منه في ذلك فصديقاتها يتمنين أن تقوم بحضن أحدهن كي تشعر بذلك الدفء. ولأنها لا تستطيع أن تبتعد عنه أبداً ولأنها تود سماع صوته دائماً فقد قامت بالاتصال به من المؤسسة التي كانت تتدرب فيها قبل تخرجها والتي كان شقيقها يعمل بها في ذات الوقت، ولم تكن تتوقع أن تصل الفاتورة إلى شقيقها وبأنه سيقوم بالاتصال به ولكنه أنكر أن أحداً قد قام بالاتصال به وبذلك فقد تبين أنه يحبها فعلاً وأنه لا يريد أن تغيب عنه أو أن يخسرها.

 

 سارت بهم سفينة الحب متهادية في بحر الغرام لا يعكر مزاجها شيء سوى الكذبة التي بدأت بها القصة والتي تخزها كإبرة في صميم فؤادها كلما ينادي اسم "سارة"، كانت تود إخباره ولكنه في بلد غربة ولم تستطع أن تبوح له بشيء لأنها خافت على مشاعره من الصدمة وهو في بلد غريب ولكنها وعدت نفسها بأن تقول له الحقيقة لحظة عودته فعندها سيكون بين أهله وأصدقائه وسيقومون بالتخفيف عنه.  أنهت هي دراستها وبعدها بشهرين عينت في إحدى الشركات الخاصة وبمكان لم تكن تحلم به، وهذا هو الجزء الثالث من الحلم قد تحقق وهي التي لم تكن تحلم إلا بوظيفة في إحدى المدارس، لم تلقى معارضة من الأهل بالرغم من أن ساعات العمل كانت طويلة وهي ستغيب خلالها طيلة النهار عن المنزل، كان أول شيء فعلته عندما تعينت هو اقتناء هاتف نقال لها حتى تستطيع أن تحدث الحبيب البعيد وقت ما تشاء، أصبحت مكالماتهما يومية كانت تحدثه من العمل ومن البيت، أتما العام الأول وللاحتفال بذلك قامت بإرسال هدية له دون أن يتوقعها، كانت أول كلمة سمعتها منه بعد أن استلم الهدية هي "أحبك" ولكنه كان خجلاً لأنه لم يرد الهدية بمثلها ووعدها أنه عندما يعود فيجب أن يقدم لها ما تستحق، فقالت له بأنه هو الهدية التي جاد الله به عليها فهي شاكرة لذلك. كانا كالزوجين في حديثهما، تحدثا في كل شيء يمكن للزوجة وزوجها أن يسران به لبعضهما، لم يكونا يشعران بالوقت وهما معاً، أحبها بعمق وهي كذلك، كان حبها حقيقياً ولا يعكس زيف الشخصية التي كانت تتخفى وراءها، كانت من حبها له تجعله يتصل ويحسب سعر المكالمة عليها ولم تكن تهتم لسعرها التي تصلها بالآلاف وهي التي تتحدث معه لساعات في كل يوم وكأنها بذلك تريد أن تكفر عن ذنب زيفها معه، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ولكل بداية نهاية، ولم تكن تتوقع أن تأتي النهاية بتلك الطريقة التي قد يعجز أي سينمائي أن يخرج مثلها، كانت مخجلة لها ومؤلمة له.

 

 كانت تتحدث معه عن طريق هاتف المكتب وكانا كعادتهما يضحكان ويتناجيان وإذا بموظفة البدالة تقطع حديثهما وتناديها باسمها الحقيقي أمامه وتسألها عن شيء ما وبعد أن أجابتها جاءها سؤاله كالصاعقة من هي( .......... )؟؟ لم تصدق ما سمعته منه "يا إلهي لقد عرف هل أكذب مرة أخرى؟؟ كلا لن أفعلها فأجابته أنا هي" كان جوابها كالصاعقة عليه أخذ في البكاء والضحك معاً قالت له الحقيقة كاملة ولم تخفي شيئاً عنه كانت تسمع زفيره الساخن وهو يكاد يشق صدره من الألم ولم تكن هي لتقل عنه في ذلك وربما كان وقع الصدمة أشد عليها، طلب منها أن تدعه ليستريح ويلملم أفكاره بعد ما سمعه، تمنت لو كانت أمامه في تلك اللحظة حتى ترى نظرات العتاب في عينيه وربما تمنت لو كانت أمامه ليضربها أو يشتمها فقد أرادت أن ينفس عما في داخله، وذلك أهون عليها من أن تجعله يتجرع الألم وحيداً في دار غريبة. حالة من عدم التوازن أصابتهما معاً، لأول مرة اتصل بها ليلاً ليطمئن عليها وهي في المنزل ووجدها مستيقظة، سألته عن حاله؟ فأجاب بأنه يجلس مع أصدقائه حتى لا يفكر فيما حدث وأنه أراد فقط أن يطمئن عليها وقتها فقط أحست بالخجل والذنب يأكلان جسدها ولم تستطع أن توقف سيل الدموع المنهمر. في اليوم التالي اتصل به كعادته وكان يلمزها بالكلام حتى يعمق من جراحها، حاولت أن تعتذر وأن تبدي أسفها وندمها ولكنه لم يكن يستمع لما تقول ويحاول أن يكون طبيعياً وكأن شيئاً لم يكن.

 

 بعد الحادثة بأسبوع قال لها بأنه سيسافر إلى ولاية أخرى وأنه سيقوم بالاتصال بها ليعطيها رقم الفندق الذي سيكون به، رحبت بالفكرة فعلى الأقل سيساعده ذلك على تجديد طاقته وأفكاره ويبعد عن شبح التفكير فيما حدث، غادر وبالفعل اتصل وترك لها رسالة على هاتفها و بها رقم الهاتف ولكنها لم تكن لتجده على ذلك الرقم، وبعد عودته أحست بالتغيير الذي حدث له فلم يعد هو الشخص الذي تعودت عليه وبالطبع هي تعرف السبب فلم تناقشه مع أن الألم كان يعتصرها لطريقة حديثه معها والمعاملة التي لقيتها منه ولكنها صبرت على أمل أن يعود إليها كما كان وأن يغفر لها زلتها. ( تعال أحس بالغربة وأحس الحزن في روحي وبعدك حالتي صعبة وطالت رحلة جروحي ) ..

 

 

متابعة القصة   -   الجزء الثاني

 

 

 

Back

AlShamsi Homepage

©1998 - 2005 Copyright AlShamsi.Net ™ , All Rights Reserved.